أدب وفنون

النصرة والقاعدة من التبعية إلى الشراكة

في ظهوره التلفزيوني الأول، لم يذكر أبو محمد الجولاني زعيم “جبهة النصرة”، عبارة فك الارتباط أو الانفصال عن تنظيم القاعدة في كلامه، بل كان “إلغاء العمل تحت اسم جبهة النصرة” هو التغيير الحرفي الذي ذكره زعيم الجماعة المتشددة، وحيث أن المشكلة الحقيقية لا علاقة لها بالاسم بل بالفكر الذي تتبناه هذه الجماعة، وبممارساتها بطبيعة الحال، تصبح عبارة فك الارتباط على الرغم من كثرة تداولها عديمة المعنى تقريبًا، ولعل أسوأ ما في الأمر، الاعتقاد بأن شيئًا قد تغير بالنسبة لأنصار الثورة السورية.

 

كلمة الجولاني المقتضبة، لم تتعد الأربع دقائق، بخلاف ما اعتدنا منه سابقًا، نصفها الأول، كان تبجيلًا لقادة تنظيم القاعدة الذين ينوي “فك الارتباط” معهم، كذلك ربط مسألة تغيير اسم “جبهة النصرة” إلى “جبهة فتح الشام” بالاستجابة “لتوجهات وتوجيهات” أولئك القادة أنفسهم، وعند هذا الحد، قد يكون من الخطأ وصف ما حدث بفك للارتباط، أو بانفصال، بمقدار ما هو تغيير في العلاقة إلى مستوى أكثر عمقًا وخطورة، خاصة أن الدقائق المتبقية من الكلمة المتلفزة، جاءت تكريسًا لكل المبادئ التي يعرفها السوريون مسبقًا عن جبهة النصرة، ونزوعها نحو التشدد.

 

لم ينطق الجولاني في حديثه كلمات، مثل” سورية أو ثورة أو غيرها؛ ما قد يشير إلى أي تغير فكري أو سياسي، وأكّد -عوضًا عن ذلك- على ترديد عبارات “بلاد الشام، والجهاد الشامي” أكثر من مرة، وإن كان من المرجح، أن تغيير الاسم في هذا الوقت، مرتبط بالاتفاق الروسي – الأميركي على محاربة النصرة، كما هو الحال مع تنظيم الدولة الإسلامية، وبضغوطات إقليمية ومحلية مورست عليها، فالمرجح -أيضًا- أن راسمي سياسات النصرة، أذكى من أن يتوقعوا توقف الطائرات الروسية والأميركية عن قصفهم لمجرد تغيير الاسم، ولأن الولايات المتحدة “لا تجد سببًا لتغيير رؤيتها إلى جبهة النصرة، حتى بعد تغيير اسمها إلى جبهة فتح الشام”، وفق رد الناطق باسم الخارجية الأميركية بعد وقت قصير، معلنًا أن الحيلة لم تنطل على أحد، لكن هل من أهداف أخرى للنصرة من وراء هذا الإعلان؟

 

سهم إلى الرأي العام وآخر إلى الفصائل

الحرب على الإسلام أحد المفاهيم الرئيسة التي ترتكز عليها البنية العقائدية للنصرة، فأنصار الجماعة في حالة دفاع دائم عن دينهم ضد هجمات الآخر، وسيكون من الأسهل على شرعيي النصرة ترويج فكرتهم -هذه- حين تستمر الضربات الجوية، بعد خطوة “فك الارتباط” المزعومة، ولعل تأكيد الجولاني في كلمته أنه يقوم بـ “سد الذرائع”، لم يكن إلا تضليلًا للرأي العام في مناطق المعارضة بشكل خاص، عبر إيهامه أن النصرة فعلت ما يتطلبه الأمر؛ لتجنيبهم حمم الطائرات الروسية والأميركية.

 

سرعان ما أتت المظاهرات -في اليوم التالي- في مناطق متفرقة شمال سورية، بدا واضحًا وجود مركزية في تنظيم بعضها، من خلال حملها لافتات وصورًا موحدة، على الرغم من التباعد الجغرافي بين تلك المناطق، إبراز صورة تجمع بوتين وأوباما وبشار الأسد، وعبارة “هؤلاء يقتلون أطفالنا”، فيما يبدو كمحاولة لتعزيز اتجاه الرأي العام، الأكثر ملائمة للنصرة في حلتها الجديدة، الجماعة التي ضحت بارتباطها مع القاعدة “تخفيفًا للأعباء عن أهل الشام”.

 

أما الهدف الثاني للنصرة، فهو الضغط على الفصائل السورية، والإسلامية منها بشكل خاص، ومحاولة استقطابها نحو مشروع النصرة السياسي، وقد ذكرت كلمة الجولاني أنهم يهدفون إلى تشكيل جسم سياسي، يقوم على الشورى، ويُعلي راية التوحيد. فصائل مثل “أحرار الشام) وغيرها، قد تكون عرضة لهذا الاستقطاب بشكل كبير، أما فصائل الجيش السوري الحر؛ فوقعت في موقف أكثر حرجًا أمام الرأي القائل بضرورة انفصالها -هي الأخرى- عن غرف عمليات الدول الداعمة كالموك والموم.

ما بعد (فتح الشام) تزداد اللوحة تعقيدًا

بيانات عدة صدرت عن قوى وفصائل سورية، وأخرى في سورية، رحبت بالخطوة على اختلاف تسمية كل بيان لها، من بين تلك القوى “حركة أحرار الشام” و”أجناد الشام” و”جيش الإسلام” وغيرها، وعلى الرغم من أن الأخير وصف الخطوة بغير الكافية، على لسان الناطق الرسمي إسلام علوش، إلا أن كل البيانات أعادت التأكيد على “وحدة الصف”، ولمَحت أن المناخ بات مهيئًا أكثر للتقارب، بعد إزالة اسم القاعدة.

 

قد لا يؤدي هذا المناخ إلى إفشال كلي للجهود الروسية الأميركية الرامية إلى الفصل بين المعتدلين والمتطرفين شمال سورية، لكنه بلا شك يمنح النصرة موقفًا أكثر قوة، وبعيدًا عن البيانات؛ فقد حدثت تفاهمات أكثر تفصيلًا على الأرض، أفضت إلى نهوض جديد لتحالف “جيش الفتح” الذي بدأ معركة فك الحصار عن حلب، مستقطبًا بذلك معظم الفصائل المتلهفة لإنقاذ المدينة وسكانها المحاصرين، من نظام الأسد وحلفائه الروس والايرانيين، وليس مستبعدًا أن تنجح النصرة في توظيف كل هذه المعطيات الدولية والميدانية لمصلحة انطلاقتها الجديدة، بمزيد من التغلغل في المجتمع السوري، ومزيد من القدرة على تفكيك وابتلاع القوى المعتدلة والمنافسة لها في الشمال السوري.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق