قضايا المجتمع

حين يرقص تلفزيون النظام السوري على الجثث

بينما كانت قوات المعارضة السورية المسلحة تسيطر على كلية المدفعية في حلب، وتتابع تقدمها، وجيش النظام يتابع انسحاباته وهزائمه أمامها، كانت فضائية النظام السوري، تعيد بث الاحتفال بعيد الجيش، الذي يصادف الأول من آب/ أغسطس من كل عام، حيث الاستخدام الإنشائي للغة العربية؛ فبحسب ما قاله المذيع؛ فإن جيش النظام هو جيش العروبة!

 

تم اختيار صالة رياضية مغلقة لإقامة هذا الحفل، واسمها “صالة الباسل للفروسية”؛ حيث يترأس -فخريًا- الاتحاد العربي للفروسية شخص اسمه “منال الأسد”.

هذا هو المشهد المستمر منذ سنوات، مئات القتلى من جيش النظام يسقطون شهريًا، وتلفزيون النظام يتابع صناعة أمجاده الوهمية، متكئًا على جثث آلاف القتلى.

 

لا يمكن لأي خيال أن يتمكن من ترتيب مشهد الكارثة، والمأساة التي يتسبب بها طاغية يرفض أي تغيير، وشعاره حتى اللحظة “الأسد أونحرق البلد” وفي الجانب الآخر آلاف الضحايا من المدنيين والعسكريين، وملايين من اللاجئين في دول شتى من العالم، وإحصاءات أممية مرعبة أرقامها، أنجزتها هيئات دولية عن أعداد القتلى وأعداد البيوت التي هُدمت، وتلفزيون النظام يتابع مسيرة تضليله، ويتغنى بمجد جيشه المهزوم، مرددًا أنً هذا الجيش حامي الحمى، وأنه جيش العروبة، وسيحرر القدس والجولان، وشعاره شرف وطن إخلاص، و…إلخ.

 

أي أبجدية ستكون قادرة على التحليل السياسي، في خضم حرب أعلنها نظام على شعبه؟

في إحدى المرات قال هتلر الذي يكره الألمان -اليوم- سماع اسمه “اجعل الكذبة كبيرة، اجعلها بسيطة وكررها، في نهاية المطاف سوف يصدَقونها”.

 

فحوى قول هتلر هذا، هو استراتيجية إعلام النظام عينها، منذ عام 1963، بعد أن دفن حزب البعث الحريات الإعلامية، وأبقى على جرائد ثلاث، يبيع منها في اليوم عدة مئات من نسخ الوهم المكرر لمواليه.

إنهم يرقصون إعلاميًا فوق الجثث، جثث قتلى الجيش، وجثث الضحايا من المدنيين.

وبالعودة إلى احتفال جيش النظام بعيده، شاهدنا عرضًا عسكريًا في تلك الصالة المغلقة، عرضًا عسكريًا، واستعراضًا إعلاميًّا ونفش عضلات مجانيًّا، والكلام ذاته الذي كان يستخدمه إعلام النظام منذ 46 عامًا، “انتصارات إلهية حققها الجيش، وأنَ الجيش الباسل علّم البشرية معنى الشهادة، وجيش الوطن والعروبة و…”.

 

قال هتلر أيضًا “عندما يستعرض الجيش قواته أكثر من ستة أشهر، ولا يقوم بمهاجمة العدو، فاعلم أنَه يشكل خطرًا على شعبه”.

نعم طوال عقود كانت مقدّرات سورية تصرف على هذا الجيش، الذي بناه حافظ الأسد من أجل الحفاظ على كرسي الحكم فحسب، هذا الجيش الذي يسرق فيه الضباط رواتب الجنود وطعامهم، ويعلمونهم الذل والخضوع والعبودية، جيش أولى ضحاياه جنوده الذين يجبرهم النظام على الخدمة فيه، من خلال الإجبار والقسر، وأقصد هنا عناصر الجيش في الخدمة الإلزامية والاحتياطية، جيش قوامه الفساد أفقيًا وعموديًا، فكل شيء في هذا الجيش برشوة، من ترفيع الضباط إلى إجازة العسكري.

أما تلفزيون النظام فكان -منذ الساعات الأولى في الثورة- الشريك الفعلي في الإجرام، من خلال متابعته النهج الكاذب ذاته، حيث إن حبل الكذب متصل؛ فالشعب الثائر صوره التلفزيون كشعب إرهابي، من خلال التحريض عليه طوال ساعات البث.

في معركة حلب المستمرة، مازال التلفزيون نفسه، يتابع بث شريطه الإخباري الكاذب، وحيث يقضي -دائمًا- على “مئات الإرهابيين كل يوم، ويدمر عشرات الآليات والسيارات للإرهابيين”.

أتساءل هل هناك بشر من مواليهم يصدقونهم؟ يصدقون هذا المسلسل اللانهائي من الكذب المتصل؟ أعتقد أن الجواب عن هذا السؤال، يقع في حقل الاصطفاف السياسي مع هذا النظام، حيث يصير كذب الإعلام جزءًا من وهم الموالين حول بقاء النظام واستمراره.

ولأن المستبد يكره كل القيم الإنسانية، ويكره الصدق ويحقد على الصادقين؛ لذلك نراه يصنع إعلامًا يشبهه في كل شيء، إعلام يجعل الهزائم انتصارات، والانتصار على الشعب مجدًا إلهيًا، وكل من في هذا الإعلام أدوات؛ لتثبيت كرسي الرئاسة الأسدية.

وتستمر الحرب على الشعب، ويتابع جيش النظام تسطير بطولاته، وهو يهرب من ساحات الوغى.

سعيدة جدًا إسرائيل بهذا الجيش الباسل، كانت وما زالت.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق