تحقيقات وتقارير سياسية

المعارضة السّورية منقسمة حّيال فكّ ارتباط النصرة عن القاعدة

أثار الموقف المرحب للهيئة العليا للتفاوض حول قرار “جبهة النصرة” فك ارتباطها بـ “تنظيم القاعدة”، وتغيير اسمها إلى “جبهة فتح الشام”، جدلًا وانقسامًا في صفوف الهيئة نفسها، بعد عدّ هيئة التنسيق الوطنية، ثاني أكبر كتلة سياسية في هيئة التفاوض، أن “الموقف المفاجئ والمتسرع الصادر، يقع خارج دائرة اختصاصها”، وقالت الهيئة العليا للمفاوضات المعارضة، في بيان نشر في التاسع والعشرين من تموز/ يوليو الماضي: إن “إعلان زعيم جبهة النصرة فك ارتباطه بالقاعدة، وتشكيل جسم جديد لا يرتبط بجهة خارجية، يُمثِّل خطوة مرحَّبًا بها”.

هيئة التنسيق والممثلة بخمسة مقاعد في هيئة التفاوض، استنكرت الموقف، وقالت في بيان نُشر بداية الشهر الجاري، إن “الهيئة العليا للتفاوض ليست جسمًا سياسيًا؛ كي تتخذ هكذا قرارات، دون العودة الى مكوناتها كمرجعية سياسية لها”.

 

مهمات وظيفية

أمل نصر، عضو المكتب التنفيذي لهيئة التنسيق الوطنية، أكدت، في تصريح لـ (جيرون)، أن “الهيئة العليا للتفاوض خرجت عن ماهية تشكليها، ككيان وظيفي لإدارة العملية التفاوضية”، واتهمت نصر جهات دولية وإقليمية -لم تسمها- بأنها تُمارس ضغوطًا على هيئة التفاوض، “لتمرير أجندات ومصالح لا تخدم الحل السياسي الذي تبنته المجموعة الدولية لدعم سورية، وهذه الضغوط تلقى بعض الآذان الصاغية التي يتم من خلالها تجاوزات هنا وهناك، دون الرجوع إلى مكونات الهيئة العليا، وربما بتواطؤ خفي نجهله”.

وكانت جبهة النصرة قد بدأت عملها بداية كانون الثاني/ يناير 2012، بعد أشهر من اندلاع انتفاضة شعبية سلمية ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وتُعدّ ثاني أكبر مجموعة إسلامية جهادية سلفية مقاتلة في سورية؛ بعد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

لم يقتصر الخلاف على الهيئتين؛ إذ قال “المجلس الوطني الكردي”، الممثل -بدوره- بثلاثة مقاعد ضمن هيئة التفاوض العليا، في بيان، نُشر في الثالث من الشهر الجاري: إن “تغيير الاسم وادعاء فك الارتباط المزعومين لا يعنيان بأن جبهة النصرة قد تغيرت عمليًا”، وأضاف البيان: إن “التغيير يتطلب الإنهاء الفعلي لعلاقاتها مع تنظيم القاعدة، وغيرها من التنظيمات الإرهابية، وكذلك الكف عن الفكر التكفيري، ووقف ممارساتها الإرهابية على الأرض”.

وحول هذا الموقف، قال شلال كدو، سكرتير حزب اليسار الكردي، وعضو الائتلاف الوطني السوري المعارض، في تصريح لـ (جيرون): “إن ما أقدمت عليه هذه الجبهة من تغيير لاسمها، بالتوافق بين زعيمي الجماعتين الإرهابيتين: الجولاني والظواهري، لن تنطلي لا على السوريين، ولا حتى على المجتمع الدولي”، منوهًا إلى أن هذه الخطوة “تحظى بدعم مُضمَر، أو غير معلن، من بعض الدول الإقليمية”، وأضاف: “لكن هيهات أن تنجح هذا المساعي الرامية الى إنقاذ جبهة النصرة الإرهابية التي أحرقت الأخضر واليابس في معظم المناطق السورية التي وصلت إليها” وفق تعبير كدو.

ترحيب مشوب بالحذر

يرى مراقبون ومحلّلون أن جبهة فتح الشام (النصرة سابقًا) قررت إعادة تسويق نفسها، بعد تصعيد الولايات المتحدة وروسيا جهدهما العسكري ضدها، وكانت (النصرة) قد أُدرجت  في قائمة الجماعات الإرهابية من مجموعة الدعم الدولية الخاصة بسورية، حيث استُثنيت من اتفاق وقف العلميات العدائية المعلن في شباط/ فبراير الماضي.

بيدّ أنّ الحزب الوطني للعدالة والدستور (وعد)، أبدى موقفًا مرحّبًا مشوبًا بالحذر، فعدّ أمينه العام، سعد وفائي، في لقائه مع (جيرون) أن “الخطوة إيجابية في التفكير والإعلان، فالانفصال عن مشروع القاعدة والمشاريع الخارجية جيد، وموقفنا مُراقب من وجهة نظر إيجابية”، وأضاف: إن الخطوة “تفتح باب التساؤل إن كان لدى الجبهة وعناصرها نيّة ورغبة في الاندماج في المشروع الوطني السوري”، وشددّ على أنّ “أي جهة عسكرية لديها اجندات ومشاريع خارجية، وتحكمها عقلية إقصائية ستُبقي باب الصراعات مفتوحًا”.

لكنّ الجولاني، وفي تسجيله المُصوّر، الذي بُث على قناة الجزيرة في الثامن والعشرين من الشهر الماضي، ظهر وهو يرتدي الزي العسكري نفسه الذي كان يرتديه مؤسس تنظيم القاعدة، أسامة بن لادن، في إيحاء منه بأنه لايزال يسير على خطى التنظيم شكلًا ومضمونًا!

 

وترى نصر أن اللعبة الإقليمية “أصبحت واضحة، والتي كانت وراء انفكاك جبهة النصرة عن القاعدة”، قالت: إنها “لحماية نفسها من الاستهداف العسكري الدولي”، واستبعدت انسحاب هيئة التنسيق من الهيئة العليا للتفاوض، ولفتت إلى أن “موقفنا الواضح لا يعني البتة تلويحًا بالانسحاب، إنما العمل على تقوية هذا الكيان؛ ليصب في خدمة الوظيفة المناطة بها”.

وتابعت “لا أعتقد أن هذه التباينات التي ظهرت نتيجة بيان الترحيب، ستؤثر على سير التحالفات بين كُتل الهيئة، وتحول دون مشاركتها في المحادثات في حال نضجت أوضاع انعقادها”، وأكدت: “سندافع عن الفرصة الأخيرة التي سنحت للسوريين، بأن تتمثل أكثرية المعارضة في هيئة تفاوضية، تحمل بحس المسؤولية تطلعات السوريين؛ لإنجاز الحل السياسي المنشود”.

 

غياب الانسجام

أما “كدو”، فلم ينف وجود انقسامات وخلافات بين كتل هيئة التفاوض العليا، وقال: “لقد أصدرت الهيئة العليا البيان باسم المعارضة السورية، متجاوزة الكيانات التي تُشكِّلها، إنه أمر مؤسف، ويبعث على الدهشة، ويدل على عدم الانسجام بين كتل الهيئة”، وشرح ان “صقور الفصائل المسلحة هي صاحبة الكلمة العليا فيها، على الرغم من أن هذه الهيئة يُفترض أن تكون جهة سياسية، تتبع مرجعياتها في اتخاذ القرارات كافة، ولا سيما المواقف المصيرية والقرارات الاستراتيجية”.

في حين قلّل وفائي من الخلافات البينية بين كتل هيئة التفاوض، على خلفية بيان الترحيب، وطالب بإعادة تعريف للإرهاب والمنظمات الإرهابية، وقال: “النظام الحاكم أول من استقدم الميليشات الأجنبية، واستعان بحزب الله والميليشات العراقية وغيرها في معاركه، ومحادثات السلام ستناقش كل هذه القضايا العالقة”.

وعن الخلافات والانقسامات التي تعصف بالهيئة؛ أردف وفائي: “هذه الخلافات موجودة سابقًا حول جدية النظام والتزامه بالمحادثات”. ولم يستبعد مشاركة جبهة “فتح الشام” في المفاوضات، وقال: “كل من يريد أن يحل الأزمة السورية جديًا، عليه ألا يستثني أي طرف من الأطراف الموجودة على الساحة السورية، ويجب أن يكون ضالعًا في عملية الحل السياسي؛ باستثناء تنظيم الدولة الإسلامية؛ لأن مشروعه غير سوري”.

على الرغم من أن المبعوث الدولي الخاص بسورية، ستيفان دي مستورا، لم يُحدّد موعدًا لبدء محادثات السلام في جنيف، إلا أن مصادر متابعة، رجحت عقدها أواخر الشهر الجاري.

ويذكر أخيرًا، أن الهيئة العليا للمفاوضات انسحبت من جولة المفاوضات التي عُقدت بمدينة جنيف، أواسط نيسان/ أبريل الماضي، بسبب تهرّب وفد النظام من مناقشة عملية الانتقال السياسي، ومواصلته قصف المدنيين وإطباق الحصار على عدة مناطق سورية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق