مقالات الرأي

الهاتف الذكي والإرهاب والتصوف!

في طريقي إلى مركز مدينة مونتريال؛ لرؤية صديقي الذي يكاد ينهي دراسته عن التصوف الإسلامي، لفت انتباهي وحدة السلوك الإنساني، أو لنقل تشابه السلوك البشري في العمق، مع قضايا العصر، وطريقة تعاطي الجيل الجديد، ولكل عصر جيله الجديد، مع الاكتشافات التكنولوجية؛ فراكب مترو إسطنبول يلحظ استخدام الصبايا والشباب عامة للهاتف (الذكي) كمرآة، للاطمئنان إلى تسريحة الشعر، أو حمرة الشفاه، أو لمعة العينين المحاطتين بالكحل، وهي وظائف مُستحدثة ومضافة إلى الهاتف، لا علاقة لها بالتواصل مع الآخر البعيد، وإنما تتعلق بالتواصل مع الذات، مع الجسد المرمي في زحمة الحياة، وربما مع الروح، كما يفعل التصوف؛ لذلك رأيت صبايا وشباب مترو مونتريال يستخدمون هواتفهم (الذكية)، كما استخدمها شباب وصبايا إسطنبول، على الرغم من عدم حصول انقلاب (فاشل)، أو ناجح، في مونتريال، فقد تم تحويل الهاتف المحمول إلى مجرد مرآة في إحدى اللحظات.

ليس من الضروري توافر شروط خلق الأسطورة كي تكون حاضرة بين الناس؛ لأنها قد تحضر بأشكال مختلفة، فبدلًا من مياه الغدير الصافية، التي تحوّلت إلى مرآة تعكس وجه نرجس (نركسوس أو نرسيس)، مُشكِّلة الأسطورة الإغريقية التي تدل على مرض عشق الذات أو النرجسية، حلّ الهاتف (الذكي) محل غدير الماء، ومع التصوير الذاتي (السيلفي) استُغني عن الذهاب المتكرر والعودة من النبع وإليه، لرؤية الوجه الصبوح، فالجهاز لا يكاد يُغادر اليد، حتى في أوقات النوم، وما إن نشتاق إلى رؤية وجوهنا حتى نكبس على زر صغير، أو نلمس سطح الهاتف؛ فنرى أنفسنا الآن، وقبل قليل، وقبل قبل قليل، فنحصل على الرضا المطلوب. وإذا لم يحصل ما نرغب به، نكبس على زر آخر لنطلب من شخص بعيد أن يكيل لنا المديح، ويُطري على جمالنا، وقد فعلت هذا شخصيًا في كثير من الحالات مع (صبايا) لا يشبعن من الإطراء على جمالهن، ولم يكنّ يرغبن في معرفة ما إذا كان مديحي حقيقيًا أم (زعبرة).

كنت أراقب الناس وهم يرسلون رسائلهم النصية عبر الهاتف، أو يسمعون أغانيهم المفضّلة، أو يتابعون لعبة إلكترونية، فأظن أنني ما زلت في مترو إسطنبول، الفارق الوحيد البارز هنا، في مونتريال، أن عدد الفتيات اللواتي يرتدين الثياب القصيرة أكبر، ربما بسبب (الشوب)؛ ما يسمح لعيون عجوز مثلي السياحة المجانية، والسباحة في عوالم الموج العاري، دون حاجة للسفر إلى منتجع (أنطاليا) لمشاهدة الموج الروسي، وبالتالي خلق أسطورتي الشخصية عن مغامراتي الإسطنبولية التي لا وجود لها إلا في عقلي المتصابي، وعجزي عن الفعل، والتي تشبه إلى حد كبير مغامرات السياسيين السوريين والناشطين في الشأن السوري، والتي تتوقف عن حدود الكلام.

كان التشابه بي سلوك الشباب والصبايا، في المدينتين، مُحرّضًا للتفكير، فعلى الرغم من اختلاف أحوال العيش، والهموم اليومية، والثقافة، والدين، وبنية الأسرة، وعلاقات الأفراد ببعضهم بعضًا، إلا أن جهازًا صغيرًا كالهاتف المحمول جعل استخدامه سلوك البشر متشابهًا، على الرغم من بُعد المسافة والاختلافات، وفَرَض نوعًا من الثقافة العالمية، التي حوّلت العالم، كما يُقال، إلى قرية صغيرة، ناسفة فكرة الخصوصية التي نحب التغنّي بها، بسبب ودون سبب.

في حوار مع أحد الأصدقاء في إسطنبول، عن “الإرهاب” الإسلامي، والوسائل الكفيلة بتقليص حوادثه، والإجراءات التي اتخذها الغرب لمحاصرة المتشددين، والحد من اللجوء إلى بلدانهم، قال صديقي: هنالك تغابٍ غربي مقصود في طُرُق التعامل مع ظاهرة المتشددين؛ لم يعد المتشددون بحاجة إلى تجاوز الحدود وحمل المتفجرات من بلد إلى آخر، فجهاز هاتف ذكي، أو كمبيوتر موصول بالشبكة العنكبوتية كافٍ لإرسال رسالة مُشفّرة واستقبالها في أي بقعة من العالم، حتى يحصل التفجير الإرهابي، لو كان الغربيون جادّين في مكافحة ظاهرة الإرهاب فعلًا؛ لكان يكفيهم إسقاط بشار الأسد في السنة الأولى للثورة، أو إسقاط الحكومات الطائفية المتعاقبة في العراق؛ كي تختفي ظاهرة الإرهابيين، أو على الأقل، القسم الأكبر منها.

الإرهاب الآن ظاهرة عالمية، تمامًا كظاهرة الهاتف الذكي. وقد تكون للغرب مصلحة في بقاء الظاهرتين معًا!

كما أن لظاهرة السجون في الغرب وظيفتها، للإيحاء إلى الناس أن حياتهم في أمان، وبأن الأشرار جميعهم وراء قضبان السجون، ولكن الحقيقة ليست هكذا، لأن عدد الأشرار الذين يقبعون في السجون هم الأضعف قدرة، والأقل حيلة، بينما الأقوياء دائمًا خارج السجون، وكذلك مع مَن يتم صيده، أو قتله من “الإرهابيين” الافتراضيين.

إن توسيع دائرة “الإرهابيين” لتشمل شعبًا كاملًا كالشعب السوري، أو كل المسلمين، كما يريد مرشح الحزب الجمهوري الأميركي للرئاسة، دونالد ترامب، مثلًا، قد تدفع الشعوب الغربية إلى التواطؤ مع حكامها موقتًا، ولكن ذلك لن يحقق لها الأمان المطلوب. فالأمان المطلوب لن يحققه إلّا رفع الظلم عن الشعوب المقهورة، بمساعدتها على نيل الحرية الحقيقية التي تسعى إليها.

لابدّ أخيرًا، من الإشارة إلى أن الهاتف المحمول، كما يتم استعماله في العالم الإسلامي كمرآة مرّةً، ولعبة مرة ثانية، ووسيلة تواصل مرة ثالثة، فإن استخدام الغربيين له يشبه تمامًا استخدام الآخرين، مع فارق استخدامه من قِبَل النُّخب لاستعمالات أهم وأشمل.

عندما التقيت صديقي سألته: ما هي فوائد دراسة التصوف الإسلامي، وكيف يمكنه أن يخدم العالم؟

قال: هو دراسة، كدراسة طبقات الأرض، أو الفضاء، تدفع الإنسان خطوة إلى الأمام، لمعرفة ذاته، وتطوره سابقًا، ولفصل الأسطورة عن الواقع.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق