كلمة جيرون

“الأبدية” كشعار لمرحلة

اعتقد حافظ الأسد، أو قرر بالأحرى، أنه سيبقى خالدًا أبدًا، ولن يموت؛ فأوعز إلى زبانيته أن يُروّجوا بين السوريين شعار “للأبد”، فانتشر الشعار -بفضل “ديمقراطية” أجهزته الأمنية- كالنار في الهشيم، ووجد له مكانًا -بالقوة- في هتافات صبية المدارس، وشباب الجامعات، وفي وزارات الدولة ومؤسساتها، وفي المدن والبلدات وأصغر القرى، وفي المعامل والطرقات، بل وفي البارات، ليغدو عنوان مرحلته: “للأبد يا حافظ الأسد”.

 

وبما أن هذه “الأبدية” مرض عُضال، ينتقل بالعدوى، فقد استمرأ ابنه الفكرة، لكنه، وبسبب شعوره بخطر ما، سيداهمه في وقت ما، قرر تعديل شعار مرحلته قليلًا؛ ليصبح “للأبد أو نحرق البلد”، يُهدد فيه كل من يقف في طريقه، كائنًا من كان، بشريًا أم إلهيًا، ولينتشر الشعار -وأيضًا بفضل “ديمقراطية” ميليشياته المنفلتة الطائفية- كالنار في الهشيم، وليُصبح بسرعة دليلاً لمؤيديه وأنصاره.

إن هذا المنطق الأعوج لحاكم يدلّ على مدى غرائبيته، وابتعاده عن الواقع، ومدى احتقاره لقوانين الطبيعة وحتمياتها، ومستوى جنون العظمة في شخصيته، واستعداده لقتل من لا يؤيد فكرته، أو من يقول له “لو دامت لغيرك ما اتّصلت إليك”.

 

هذا المنطق (الأعوج) أوصل سورية إلى ما هي عليه الآن، من شرخ مجتمعي ليس له دواء، وتشريد لا تُعرف له نهاية، ودمار لا أمل منظورًا بِترميمه، وموت تزكم رائحته الأنوف، وفرز طائفي وقومي عصي على العلاج، وكراهية لن تجد من يقتلعها.

 

هذا المنطق الأعوج دمّر ماضي وحاضر ومستقبل سورية، ودمّر وجودها بين الأمم، كواحدة من أعرق البلدان، يقطنها واحد من أكثر الشعوب أصالة وبساطة.

 

كل ما سبق معروف بالنسبة للسوريين وغيرهم، أما الجديد، والذي يهدد كل أصحاب الثورة، هو انتشار هذا المرض وتمدده، وانتقاله من (الأسدين) إلى غيرهما، وفتحه الباب أمام صراع “أبديات” أخرى، إن لم تكن أسوأ من الأولى، فهي مثلها على الأقل.

 

كثيرة هي “رموز” المعارضة السورية التي تمسّكت بمناصبها “الوهمية”، وكراسيها “الموقّتة”، وسعت بكل ما لديها من حنكة ودهاء ومُكر وقدرات وعلاقات ووسائل، لتلتصق بكرسيّ، لم تُصدّق نفسها في أنها جلست عليه، واستسهلت الانتقال من تكتّل سياسي إلى آخر لضمان “أبديتها”، وسعت لتغيير أنظمة داخلية؛ لتضمن بقاءها في أعلى الدرجات (ما أقام عسيب)، ووضعت غشاوة على عينيها؛ كي لا ترى قدراتها المتواضعة وشعبيتها المتدنية ونرجيستها ومنطقها الأعوج.

 

كثيرة هي التكتلات السياسية الجديدة والنقابية البديلة والإغاثية المُحدَثة، التي وضعت لوائح داخلية ضمنت -من خلالها- لمسؤوليها الكرسي لسنتين وثلاثة، مُفترضة -سلفًا- أن الحرب ستستمر لسنوات مقبلة، كما أغفلت ذكر وسائل اختيار القائمين عليها، وتناست الديمقراطية التي تنادي بها الثورة، والتي هي أصل شرعيتها، وعدّت “الأبدية” أمرًا قابلًا للنقاش، ووضعت غشاوة على عينيها كي لا ترى حجم الفساد والخراب الذي يتسبب فيه منطقها الأعوج.

 

قُتل في سورية ما لا يقل عن نصف مليون من السوريين، واختفى على الأغلب مثل عددهم، وأُعيق ضعفهم، ونزح سبعة ملايين من بيوتهم، ولجأ أربعة ملايين إلى بلاد الله الواسعة، كل هذه الأثمان دفعها السوريون للخلاص من “الأبدية”، ولن يقبلوا، بأي حال من الأحوال، تحت أي ظرف، أن تعود “أبدية” الأسدين، أو أبدية المعارضة، أو أبدية كائن من كان، وواهمة تلك الفئات التي تعتقد أن السوريين قد نسوا لماذا قاموا بثورتهم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق