أدب وفنون

في مقام السؤال عن الهوية

يستدعي السؤال “الهوياتي” للفرد الواقعي العياني استدعاء ضروريًا ومنطقيًا، سؤالًا عن ماهية العالم الواقعي أيضًا، سؤال بسيط وبديهي ومعقد في آن معًا، سؤال العالم، بوصف أن العالم -هذا- يرسم إطار التعين الواقعي للهوية، بما هي تبادل وتواصل وتلاقح وتثاقف وتداول، في إطار زمني مفتوح، يحدده مسار الجملة الاجتماعية للإنتاج المادي والرمزي، ويُشكّل العالم إطاره الواقعي، إذًا، فالهوية إنتاج متواصل ومفتوح عبر العالم والتاريخ، لا يمكن والحال هذه، إلا أن نضع الهوية في سياق التعدد والتنوع، الاختلاف والمغايرة، الآخرية والغيرية، وهذا يحيل إلى مقاربة إيكولوجية، تنظر إلى الفرد بوصفه واحدًا مع الطبيعة، تُشكّل العلاقة معها بعدًا محوريًا في الوجود، وعنصرًا مركزيًا في إنتاج الهوية، وفي سيرورة التطور التي تمضي بالكون قدمًا من المادة الجامدة نحو الحياة، نحو الوعي، على طريق التشوف لما هو إلهي.

لا تجدي التأملات الذاتية والنظرية المنكفئة إلى الوهم، في مقترب نحو سؤال الهوية؛ إذ هو قوام الذات كما الوجود، على اختلاف وتعدد مستوياته الاجتماعية والمادية والرمزية والإنسية، وصولًا إلى جذره الأنطولوجي، ولا يمكن فهم القلق والتوتر الذي يجابه السؤال الهوياتي، خارج سياق معادلات الاعتراف والإقصاء، الواحدية والتعددية، الحداثة والتقليد، الثيولوجية والمدنية، الحرية والديمقراطية والتسلطية.

 

من النافل الحديث عن الطابع الأيديولوجي والميتافيزيقي الذي يضع قضايا الهوية خارج مفهوم الزمان والمكان الاجتماعي، خارج معطيات العالم والتاريخ، في متقابلات المقدس والمدنس التي تغلف متقابلات ثنائية أخرى، من قبيل الثابت والمتحول، الحق والباطل، الشر والخير، الزائل والأبدي.

 

لابد والحال هذه، من إعادة فلسفة الاختلاف إلى البيئة الواقعية والتاريخية المشكلة للهوية، فلا هوية بلا مغايرة واختلاف، ولا أنا بلا آخر، ولا حديث يستقيم عن الهوية إلا حديث عن الإنسان بما هو ذات وكينونة وفعل اجتماعي، ووجود نوعي في الدولة والمؤسسة والقانون والمجتمع، حديث يستبعد المعطى المجرد والجوهر المفارق، وإلى ذلك فإنه من قبيل التمرين في التأمل أن ننظر إلى الهوية على أنها (ما في ذاته) كون مغلق ومكتفٍ بذاته، أكثر من ذلك، فسؤال الهوية -من حيث الطبيعة المتعددة والمعقدة- لا يكتفي بارتباطه بذات فردية أو حتى جماعية، بل يمتد ليتصل بطيف الممكن الوجودي والفعل البشري، المرتبط بجملة الإنتاج المادي والرمزي، المتصل بقضايا الثقافة والسياسة والقيم والمجتمع والمشروعية وممارسة السلطة، فالإنسان ينتج -دومًا- وجوده في العالم وفي التاريخ، ويعيد إنتاج هذا الوجود على الدوام.

 

في المجتمعات التي هزمتها السلطة، وقوضت ممكنات انفتاحها وإعادة إنتاج ذاتها وتفتح هويتها، تلك المجتمعات التي أعملت فيها السلطة المغتصبة آليات فادحة، آليات تقديس الفرد وتحريف الحقيقة وأسطرة الشخوص، ومصادرة الحق، وصناعة الكائن التوتاليتاري (الحالة السورية أنموذجًا)؛ لإضفاء الشرعية على علاقات الهيمنة القائمة، فإن ما جرى كان سياقًا لكسر الهوية الذي تجلى لاحقًا بوصفه إجراءً سلطويًا، يجد مداه في إستراتيجية القبض على الحقل الاجتماعي واعتقاله، وبالتالي بتنا أمام تأميم السلطة للهوية وتوظيفها في خدمة هوية السلطة، الهوية المتقيحة التي استحالت عقدة مستعصية على الحل.

 

يحيل سؤال الهوية على مختلف مفاصل السلطة الاستبدادية، التي اقتحمت فضاءات الدولة واحتكرت صناعة القرار في البلاد، على مختلف مستوياته السياسية والاجتماعية والثقافية المحددة للكينونة الفردية والجماعية وهويتها بمتمثلات وأقوال إيديولوجية زائفة وتحريفية أقصت الكائن الفرد الواقعي -بعمقه التاريخي ومقومات وجوده الاجتماعي وانتمائه الوطني- بصورة تقنّع الرهانات الإيديولوجية الباطنة لاحتكار مصادر القوة والثروة والسلطة، وإلى ذلك، فقد جرى على أوسع نطاق خلق السياقات لصناعة هوياتية خارج الزمن وخارج التاريخ وخارج المجال الوطني والحقل الاجتماعي، لقد خلق تمثلات رمزية وتصورات خرافية تحكم وعي الأفراد، ولا تنتمي إلى واقع الآن وهنا.

في سورية أنتج النظام صناعة هوياتية قادت إلى تشظي الفرد، ودفعه للبحث عن هوية ضائعة في العرق والمذهب والطائفة والعشيرة والعائلة، في الانتمائية الميتافزيقية ما فوق التاريخية وما فوق الواقعية، وما تحت الوطنية والدولتية، فبتنا أمام هوية مقفولة للفرد بعد تهتك الاجتماع، وانتهاك فادح لمعنى الوطنية بغياب تعبيرها النوعي في المواطنة ودولة المؤسسة والقانون، وغياب الحقوق والحريات المدنية والسياسية، وبالتالي، غابت الهوية الفردية والمجتمعية والوطنية، بعد أن أغلقت السلطة الطاغية المسرح الاجتماعي والسياسي والثقافي والرمزي على أقوالها الإيديولوجية المقنعة لرغبة أبدية في السلطة والتسلط، وبعد اهتزاز عرش السلطة بصيحة الحرية التي انطلقت من حناجر السوريين، أعادت السلطة المتوحشة التي وجدت في نظام دولي متوحش سندها ومعينها، أعادت بفعل العنف الفادح إحياء تلك الهويات القاتلة.

لا يمكن الحديث عن الهوية إلا بالذهاب إلى الدولة ومبدأ المواطنة وسيادة القانون والاعتراف المبدئي والنهائي بأحقية المواطن، الكائن الواقعي والعياني بما هو فاعل سياسي واجتماعي، في أن ينتج شروط وجوده الذاتية والموضوعية في الحياة.

يتحدد المقترب نحو سؤال الهوية بالمعطى الأنثروبولوجي للهوية، وبوصف الهوية ناتجًا من مختلف العناصر والأسس والمقومات التي تكوّن الكيان البشري، وتطلق سيرورة تقدمه وإنتاجه لذاته، بالتفاعل مع معطيات المحيط السوسيو ثقافي، المادي والرمزي، المتغيرة على الدوام.

في مقابل توظيف أزمة الهوية، كآلية للسلطة والهيمنة، يروم المسعى الديمقراطي تدبير الاختلاف وتحرير التصور الهوياتي من أسر المقترب الإيديولوجي والميتافيزيقي، عبر آليات ديمقراطية تحكم الإنتاج الاجتماعي والصراع حول السلطة والقيم والمشروعية، الأمر الذي يعيد فتح الإطار الهوياتي للفرد والجماعة والمجتمع. المسعى الديمقراطي هو شرط لازم لتعزيز شعورٍ معافى بالهوية، لأنه تدبير للمشترك العام، وإعادة انتشار عادلة ومتكافئة للتعدد والاختلاف والحرية والقيم والتمثلات الرمزية المختلفة، بعيدًا عن الفهم والتوظيف الدوغمائي للهوية المفخخة والقاتلة.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق