تحقيقات وتقارير سياسية

الصحافة الإلكترونية بعد الثورة طموحات وعثرات

لعبت المنابر الإعلامية ووسائل الاتصال والتكنولوجيا الحديثة دورًا مهمًا ومحوريًا في مختلف ثورات دول الربيع العربي، وشكلت الثورة السورية أرضًا خصبة للعمل الإعلامي، ومن وسائل الإعلام التي حققت انتشارًا واسعًا كانت الصحافة الإلكترونية، حيث شهدت الساحة الإعلامية السورية زخمًا كبيرًا في عدد المواقع الإلكترونية التي رافقت الثورة منذ بدايتها، كونها كانت الوسيلة الأسهل والأقل تكلفةً، فلا حاجة إلى مكاتب واستديوهات أو حتى جهود بشرية كبيرة، كما هو حال القنوات التلفزيونية والإذاعات والصحف والمجلات.

 

استطاعت هذه المواقع، مستفيدةً من مناخ الحرية الإعلامية الذي فرضته الثورة، أن تُعيد الإعلام السوري إلى الحياة، بعد 40 عامًا من مصادرة العمل الصحفي من قبل السلطة الاستبدادية، على الرغم من عديد النقاط السلبية التي وقع فيها الإعلام الثوري السوري بشكلٍ عام، والمواقع الإلكترونية بشكلٍ خاص، خاصة فيما يخص ما يمكن تسميته بالفوضى الإعلامية الذي ارتبط -إلى حدٍ بعيد- بالصحافة الإلكترونية، مقارنة بباقي وسائل الإعلام الأخرى، وهو ما عبّر عنه الصحافي السوري محمد منصور، في حديثه لـ (جيرون) بقوله: “إن الإعلام الجديد بشكل عام والمواقع الإلكترونية على وجه الخصوص، التي نشأت بعد الثورة، أطلقت ألسنة السوريين المغلولة، وحررت أقلامهم المصادرة، وأدخلت العديد من الناس العاديين وغير المؤهلين إعلاميًا، لممارسة مهنة، كانت مصادرة في سورية منذ انقلاب حزب البعث عام 1963، لكن هذه الميزة، انقلبت في بعض الأحيان إلى عيب؛ فالإعلام مهنة تصقلها الممارسة العملية التي تستند إلى عنصرين أساسيين: الأول الموهبة الصحفية، والثاني الثقافة والخبرة الحياتية، وإذا كان الموهوبون قد استفادوا من الأفق الجديد الذي انفتح للمهنة أمامهم، فإن غير الموهوبين استسهلوها، وظنوا أن الصحافة مهنة الجدار المنخفض الذي يستطيع أي شخص أن يقفز من فوقه؛ كي يدخل بلاط صاحبة الجلالة، كما أن الموهوبين وجدوا أنفسهم في خضمّ حالة استنزاف إعلامي، وتشرد حياتي، لم يُتح لكثير منهم أن يدعموا موهبتهم بالزاد الثقافي؛ ما جعل كثير منهم يقدم إنتاجًا لا يصمد في وجه الزمن، ولا يُقارن بما أنتجه أجدادهم الصحافيون السوريون في صحافة ما قبل انقلاب حزب البعث الأسود، التي كانت شديدة التطور والرقي، بمختلف ألوانها واتجاهاتها”.

 

لكن بعض العاملين في الحقل الإعلامي، يعتقد أن أغلب تلك المواقع جنحت إلى بث الأخبار اليومية من شبكات التواصل الاجتماعي والناشطين، وعلى عدد قليل من المراسلين، ولم تستطع بناء شبكة جيدة منهم، كما تسرّعت بانتقاء المحررين والصحافيين، حيث يرى الصحافي السوري عبسي سميسم، أنه “لم تظهر مشاريع إعلام إلكتروني ‏متكاملة، يكون لها جمهور أوسع من الإعلام المطبوع، فكثير من المواقع الإلكترونية، إما أنها غير فاعلة، أو أنها مشاريع تفتقر إلى المقومات التي يمكن أن تُنشئ مشروعًا إعلاميًا، فيحدث -مثلاً- أنه عندما يتوفر الكادر المهني، يكون هناك نقص في إمكانات الترويج والتسويق، ولكن، وللإنصاف، لا يجب تحميلها أكثر مما تحتمل؛ نظرًا لحداثته ولأحواله الصعبة، ‏وخاصة من ناحية انعدام فرص التمويل الذاتي من بيع وإعلانات، وعليه؛ يمكن القول -بشكل عام- إن الإعلام، بشقيه: المطبوع والإلكتروني، استطاع أن يحقق تطورًا مقبولًا خلال خمس سنوات، مقارنة ‏بأحواله”.

 

في تقييمه لهذه المواقع الإلكترونية، انتقد منصور تركيزها على الكم لا النوع، وقال: “لقد ترك دورًا سلبيًا لكن ليس على صعيد ضعف التغطية الإعلامية للثورة، فهو تعامل مع الحالة الخبرية بشكل جيد على صعيد الكم، وأسهم في انتشار الخبر، وجعله في متناول المهتم بالأحداث، لكنه كان ضعيفًا على صعيد النوع، فسادت ثقافة القص واللصق، ونقل المواقع من بعضها بعضًا، بناء على عناوين مثيرة، وساد الجهل في طريقة كتابة الخبر، بناء على ضعف خبرة القائمين على العمل من جهة، وهوس مواقع التواصل الاجتماعي، الذي جعل المعيار هو كمية القراءات، حتى لو كان الخبر مصوغًا بشكل ركيك، أو المقال مكتوبًا بلا رؤية، أو أنه مجرد تجميع لآراء ووجهات نظر، بلا منهجية حقيقية. كذلك لعب الانتشار الكبير لتلك المواقع في دفع كثير من الشبان الذين لم يقرؤوا كتابًا قط، أو الذين لديهم بعض المعرفة بمفاتيح التسويق في مواقع التواصل الاجتماعي، لكتابة مقالات ضعيفة من أجل التباهي بعدد القراءات، وهمية كانت أم حقيقية. وشكّل هذا فضيحة مهنية لبعض المواقع التي صارت تُقيّم عملها بناء على عدد القراءات فحسب، وهي حالة لا تُنتج ثقافة ولا معرفة، ولا تترك أثرًا حقيقيًا”.

شاب ظاهرة المواقع الإلكترونية الإخبارية، ما بعد الثورة السورية، إشكالات كثيرة، من الناحية التقنية والمهنية، خاصة أنها جاءت بعد سنوات من الوصاية التي مارسها النظام السوري على الإعلام، وما أفرزه من واقع إعلامي متردٍ على كل المستويات، ومع هذا، استطاعت مواقع إلكترونية عديدة، قطع أشواط لا بأس بها في تقديم خدمة إعلامية جيدة، وخاصة في المجال الإخباري، حيث أصبحت من أهم مصادر الأخبار في الوقت الراهن، مستفيدةً من الإمكانات التي تتيحها مواقع التواصل الاجتماعي في تحقيق انتشار واسع لهذه المواقع، وسرعة الوصول إلى المتلقي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق