قضايا المجتمع

اللاجئون في السويد والمصير الغامض والطريق الوعرة

يبدو أن قدر شعوب المنطقة العربية، في شرق المتوسط، أن يلاحقها عدم الاستقرار أنّى اتجهت، وكأن المظالم والأزمات أصبحت تورَّث مع الجينات، من جيل إلى جيل، حتى باتت سمةً بعد مرور مئات السنين من الاستعمار الخارجي للمنطقة، بكل أشكاله، ومن ثم الاستبداد والطغيان من أبناء الجلدة، حتى يخال المرء أن بضع سنوات من الازدهار والاستقرار فيها، ما هي إلا طفرة، لا يمكن البناء على استمراريتها وتناميها البتة.

أما السوريون، فبات أكثر من نصفهم خارج البلاد، مهجرين في أرجاء المعمورة كلها، تلاحقهم الأحوال السيئة، والقوانين الجائرة التي تنال من إنسانيتهم، فبعد أن فُتحت أبواب أوروبا على مصراعيها أمام قدومهم؛ ما جعل كثير من الناس يصف المبادرة الأوروبية لاستقبال اللاجئين بمؤامرة أخرى على الشعب السوري، هدفها إفراغ البلد، وتركها للأسد وحاشيته، كما شكلت تلك الحالة -بحد ذاتها- إغراء حتى لمن يعيش خارج سورية، في مأمن من نيران الحرب، كأولئك المقيمين في دول الخليج العربي؛ فسارع إلى حجز مكانه  في بلاد التحضر والديمقراطية، بعد كل ذلك، وما لاقاه العديد منهم من مخاطر الترحال والعبور إلى القارة العجوز، فمن سلم ووصل أطراف أوروبا، أحس أن الطريق أُقفلت أمامه، وهو في منتصفها؛ فأصبحت اليونان ومقدونيا وصربيا أشبه بسجون كبيرة، حُجز فيها اللاجئون الذين لو كانوا يدركون هذا المصير من قبل، لفضلوا الموت على تراب الوطن، حتى لو كان الموت بالصواريخ وحمم البراميل المتفجرة، على حد تعبير معظمهم.

 

أما من كان أكثر حظًا، واجتاز تلك الدول، واصلًا إلى دولة اللجوء التي ينشدها، ، فقد فوجئ بالحواجز والموانع التي صنعتها قراراتها الجديدة ،كالسويد وألمانيا وغيرهما، إذ لم يكن ضمن مخططاتها استيعاب هذه الأعداد غير المتوقَّعة جميعها، والتي أصبحت واقعًا مسجّلًا في سجلات دوائرها المختصة بشؤون الهجرة.

 

إجراءات وقوانين جديدة في السويد

كانت السويد من أولى الدول الأوروبية التي استقطبت سوريين كثر، منذ اندلاع الثورة في آذار/ مارس من العام 2011، وباتت آمال معظم اللاجئين، الموجودين في الدول المجاورة لسورية، معلّقة بتلك الدولة ؛ فهي التي بادرت إلى منح السوري إقامة دائمة، ثم يحصل بعد خمس سنوات من مكوثه فيها على الجنسية السويدية، ليصبح مواطنًا سويديًا، بصرف النظر عن حصوله على عمل، أو إتقانه اللغة السويدية؛ خلافًا لشروط دول أوربية أخرى، كألمانيا مثلًا، والتي لا تمنح الجنسية الألمانية إلا بعد إتقان لغة البلد، والعمل، واستيعاب التاريخ الألماني…إلخ تلك الشروط المعروفة.

غير أنه، ومنذ بداية العام 2015، بدأ تشديد الإجراءات على اللاجئين عمومًا، بمن فيهم السوريون، حيث أصبحت مدة الانتظار للحصول على إقامة تطول تدريجيًّا، حتى تجاوزت السنة في حالات عديدة، و كان لهذا أثره النفسي السيئ على اللاجئين الموجودين في مقرّات اللجوء (الكامب)، بما يحمله من عبء الانتظار دون أي عمل أو إنجاز يقوم به، ودون تمكنه من الالتحاق بمدارس تعلم اللغة، المتاحة له بعد الإقامة، مع وجود بعض الهيئات التطوعية التي تقدم بعض (الكورسات) التعليمية، والتي تعد أشبه بدروس محو الأمية، وبالتالي تأخره في الاندماج مع المجتمع السويدي.

أقر البرلمان السويدي -بالأغلبية- في حزيران/ يونيو من عام 2016، قانونًا كانت الحكومة السويدية قد اقترحته في تشرين الثاني/ نوفمبر من عام 2015، يقضي بعدم منح اللاجئين إقامات دائمة؛ للحد من تدفق لاجئين آخرين إلى السويد، والتضييق على عمليات لمّ شمل العائلات مع ذويهم، ممن يقيم في المملكة، حيث يصلح هذا القانون للعمل به لمدة ثلاث سنوات، وهذا ما سبب إحباطًا كبيرًا وقلقًا لمعظم اللاجئين القادمين بعد 24 تشرين الثاني/ نوفمبر، خاصة من ليس لديهم أطفال دون الثامنة عشر عامًا.

 

لكن الحكومة السويدية حددت يوم 21 تموز/ يوليو، موعدًا لبدء العمل بهذا القانون، وبذلك كل من صدر قرار إقامته بعد هذا التاريخ، وليس لديه أطفال دون الثامنة عشر، حصل على إقامة موقتة لمدة ثلاثة عشر شهرًا، حتى وإن كان قد دخل السويد قبل يوم 24 تشرين الثاني/ نوفمبر من العام 2015. وما جرى في الواقع، أنه ضمن الأسرة الواحدة، هناك أشخاص ممن تجاوزت أعمارهم الثامنة عشر، قد حصلوا على إقامة موقتة، بينما من هم دون ذلك، قد حصلوا مع الأب أو الأم على الإقامة الدائمة.

 

تجدر الإشارة إلى أن كثيرًا من العائلات قد خضعت للتحقيق، أو ما يسمى بـ “المقابلة” ـ كما هو معروف بين اللاجئين، وذلك منذ مطلع العام 2016، وبموجب هذا القرار حصلت على الإقامة الموقتة، لتأخر صدور قرار الإقامة لما بعد الحادي والعشرين من تموز/ يوليو، في حين من خضع للتحقيق في شهر تموز/ يوليو، قد حصل على الإقامة الدائمة بعد أيام عدة من التحقيق، ما دام قرار الإقامة قد صدر قبل هذا التاريخ من الشهر، موعد تنفيذ القرار، على الرغم من دخوله السويد بعد أولئك الحاصلين على الإقامة المؤقتة؛ ما جعل الناس تعزو ذلك إلى محض الصدفة، أو إلى الحظ، أو لمزاجية المحقق المسؤول عن الملف الشخصي لللاجئ.

 

لمّ الشمل عقدة وإحباط آخر للاجئين

بيّن القانون الجديد أن من حصل، من اللاجئين، على إقامة موقتة لمدة ثلاث سنوات بصفة لاجئ، يتمكن من القيام بعملية لمّ شمل أسرته إلى السويد، كذلك من حصل على الحماية البديلة، وهي الإقامة الموقتة لمدة ثلاثة عشر شهرًا، يمكنه لمّ شمل أسرته، إذا كان قد طلب اللجوء قبل تاريخ الرابع والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر، بينما لن يتمكن نظيره من لمّ شمل أسرته، إن كان قد قدم طلب اللجوء بعد ذلك التاريخ.

هذه الحالة، من المؤكد أنها أكثر ما يؤرق اللاجئين في السويد، حيث كان معروفًا أن المدة الزمنية التي يحتاجها اللاجئ لاجتياز خطة الترسيخ والاندماج، تستغرق سنتين حتى يتمكن من الدخول في سوق العمل والحصول على دخل مستقل، فيما تشترط الحكومة حاليًا حصول اللاجئ على عقد عمل براتب، يمكّنه من إعالة نفسه، وإعالة الأشخاص الذين سيخضعون للمّ الشمل، وفي هذه الحالة، ومع عدم إجادة اللغة مع الإقامة الموقتة، سيكون من الصعب على اللاجئ تأمين عمل ودخل خلال الأشهر القليلة المتاحة.

محاولات بطريقة ديمقراطية للفت النظر

يحاول اللاجئون -على اختلاف بلدانهم- التعبير عن رفضهم لهذا القانون بطريقة ديمقراطية، وبالتالي، لفت نظر الحكومة إلى معاناتهم والظلم الذي لحق بهم من جرائه، وما تبعه من شروط جديدة، ومع أن هذه الخطوة جاءت عقب إقرار البرلمان لهذا القانون، فقد تجمعوا بالمئات أمام البرلمان، معتصمين منذ الرابع من آب/ أغسطس، آملين أن تلقى مناشداتهم صدى في غرف القرار في السويد. ويبقى رهانهم مصحوبًا بالأمل أن آذانًا خلف تلك الجدران ستسمع صدى أناتهم وهم القادمون من بلاد مكلومة مقهورة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق