اقتصاد

سورية: من الاكتفاء الزراعي إلى البحث عن سلال غذاء

يُعدّ القمح، أو الذهب الأصفر، عماد الأمن الغذائي السوري، وعوضًا عن طحنه وتحويله إلى خبز للمواطنين، سحقته جنازير دبابات النظام، وحرقت نيرانها مساحات واسعة، ومنعت الفلاحين من محصولهم، قوت يومهم وقوت يوم السوريين.

 

خلال أيار/ مايو الماضي، قامت قوات النظام السوري بحرق حقول القمح في داريا بريف دمشق، وفي بلدة كفر نبودة بريف حماه الغربي، وكذلك في بلدة الهبيط في ريف إدلب الجنوبي، ومناطق عدة في تل جبين وتل ملح وغيرها، وهذا الأسلوب الذي ابتدأ به النظام مع انطلاقة الثورة في آذار/ مارس 2011، مارسه عند كل موسم خلال السنوات الماضية، في سهول درعا وحمص وحماة وإدلب والرقة والحسكة وريف دمشق، وأصبح سلوكًا يتفنن فيه، من جهة، وأداة بيده؛ لحصار الناس والتعدّي على ممتلكاتهم وأمنهم الغذائي، بمنعه رغيف الخبز من جهة أخرى،  والاستهتار بعرق أولئك الفلاحين الذين لا مصدر رزق لهم سوى أرضهم ومحصولهم وتعبهم الموسمي.

 

يساهم القطاع الزراعي في سورية بنسبة تقارب 30 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، ويُعدّ القمح هو الأساس فيه، وقد نبّهت منظمة الأغذية العالمية (الفاو)، في تقرير صدر عنها مع بداية الموسم في ربيع العام الجاري 2016، بأن القطاع الزراعي قد ينهار، بسبب الحرب، وسيصبح من الصعوبة بمكان تأمين الغذاء للسكان لسنوات كثيرة، وكانت المنظمة قد قدّرت العجز في العام الفائت 2015 بقرابة 800 ألف طن، وبذلك ارتفعت أسعار الطحين لأكثر من ثلاثة أضعاف، ولربما الأسعار في بعض المناطق المحاصرة، أو التي يصعب الوصول إليها بسبب المعارك المستمرة، ارتفعت أكثر من هذا، لتصل إلى أرقام خيالية، كالزبداني، ومضايا، وحي الوعر، ودير الزور التي تعاني من حصارين: هما قوات النظام وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

 

البحث عن أمن غذائي في غياب الأمان

كانت سورية تُصدِّر ما يفيض عن حاجتها من القمح، ووفق تقديرات المؤسسة العامة لتجارة الحبوب؛ فإن حاجة السوق المحليّة كانت تبلغ 3.2 مليون طن، تُنتجها سورية كاملة، أما الآن، فباتت تبحث عن مصادر مساعدات أممية، وعن سلال غذائية إغاثية من بينها الطحين، وفي ظل موجات اللجوء الخارجي والنزوح الداخلي، وتقطيع سورية بحواجز النظام، وتكاثر تُجّار الأزمات في مناطق تحت سيطرة النظام والمعارضة، على حد سواء، بات الوصول إلى أرقام -ولو تقريبية- عن حجم المشكلة الغذائية، وحجم إنتاج القمح في سورية، أمرًا صعبًا، خاصة أن الأمن الغذائي يعتمد على تأمين الكمّية اللازمة، وضمان توافرها بشكل مستدام أيضًا، فضلًا عن ضرورة سهولة الوصول إليها؛ لتوزيعها واستهلاكها، وجميعها مشكلات موجودة في سورية بدرجات كبيرة، الأمر الذي لا يؤثر على إنتاج القمح فحسب، وإنما على كامل القطاع الزراعي بشقيه: النباتي والحيواني.

 

إلى ذلك، ساهم الجفاف في جزء من هذه الأزمة، وفي تراجع إنتاج القمح في سورية، خاصة عام 2014، كما ساهمت عوامل عدة في هذا التراجع، مثل نقص الأيدي العاملة؛ بسبب الحرب والتحاق الشباب بالجبهات، أو نزوحهم عن مناطق القتال، والهجرة نحو الخارج، وغلاء المحروقات وندرتها، وتقلّص المساحات المستخدمة للزراعة بسبب خروج كثير منها عن الخدمة؛ لوقوعها في مناطق خطرة، ويضاف إليها استهتار النظام بمفهوم الأمن الغذائي ومصلحة مواطنيه؛ بسبب مصادرته إمكانيات الدولة لصالح حربه.

 

أعلنت منظمة (الفاو) العام الماضي في تقرير لها، أن قرابة عشرة ملايين سوري يواجهون حالة انعدام الأمن الغذائي، وأن هناك قرابة سبعة ملايين شخص بحاجة ماسة إلى مساعدات غذائية مباشرة، وأشارت إلى وجود حالة حادّة من انعدام الأمن الغذائي، لكن هذا التقرير لم يساعد في دفع المجتمع الدولي إلى تقديم يد العون؛ للتخفيف من وطأة ما يعانيه السوريون.

 

نظام لم يحافظ على الحياة

لعل حالات النزوح وفقدان الأمان، هما أهم عاملين يجب التعاطي معهما حاليًا، بحيث تُستنفر كل الطاقات؛ لإيجاد سبل تخفف من حدّة ما يخلفه كل منهما على السكان، ويجب إطلاق عملية البحث الجاد عن سبل توفير الغذاء، كحالة إغاثية سريعة، لكن التفكير في موضوع توفير الأمن الغذائي للسكان بشكل عام، وبطرقه المستدامة، أصبح مرتبطًا بعملية انتقال سياسي كاملة، تضمن الوصول إلى تأسيس دولة جديدة بنظام، يضع خططه الآنية والاستراتيجية على أرض ثابتة وخيارات أو أحوال غير متبدّلة، فتقرير (الفاو) الذي أشار إلى أن عدم توفر الأمان؛ أدى إلى تقلّص المساحة التي تُزرع بالقمح، إلى أصغر مساحة لها منذ ستينيات القرن الماضي، مضافًا إليه النداء الذي وجّهته هذه المنظمة، خلال الأشهر الماضية؛ لدعم الزراعة ومساعدة اللاجئين السوريين، وهذا جزء مهم من صورة تشير إلى قتامة المشهد السوري على الصعيد الغذائي، فنظام لا يعبأ بأرواح المواطنين، لا يمكن الاعتماد عليه لتوفير غذائهم، وعلى هذا، فإن المسألة سياسية قبل أن تكون إنمائية، ومن المؤلم للسوريين الذين كانت بيوتهم عامرة، أن ينتظروا -بسبب حرب النظام- سلة غذاء من هنا، وكيس قمح من هناك.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق