قضايا المجتمع

اللاجئون السوريون وإدمان الأجهزة الذكية

“لكل حرب مأساتها الخاصة، ولكل شتات ضروراته الخاصة به”، هذا ما قاله مهند، ابن الثلاثين ربيعًا، لـ (جيرون) عندما سألناه عن ظاهرة الهواتف الذكية في صفوف اللاجئين السوريين.

 

تلعب الهواتف الذكية اليوم أدوارًا جوهرية في الحالة السورية، فقد رافقته منذ انطلاق ثورة السوريين عام 2011، حيث كانت الوسيلة الوحيدة لتصوير المظاهرات المطالبة بالحرية والكرامة وإسقاط النظام، وأصبحت اليوم الوسيلة الأهم لتصوير الانتهاكات الدموية التي يرتكبها نظام الأسد، ومن معه ممن أمعنوا الإيلاغ في الدم السوري.

 

كما رافقته هذه الهواتف إلى بلدان المنفى، كأنها عشيقته أو أحد أفراد عائلته، يخاف عليها، يحميها من السرقة، ويلتصق بها على مدار الساعة. إلا أن هذه الظاهرة أثارت في بعض بلدان أوروبا سخط بعض المدنيين الذين لم يفهموا طبيعة العلاقة الجوهرية بين اللاجئ السوري والهواتف الذكية، فظنوا أن اقتناءها إساءة للمجتمع الذي استقبلهم؛ وكأن لسانهم يقول “كيف تأتينا لاجئًا وتحمل في يدك هاتفًا نعجز نحن عن شرائه؟”.

 

ولعلّ ما قاله رئيس جمهورية التشيك، ميلوش زيمان، في تشرين الأول/ أكتوبر عام 2015، عندما وصف اللاجئين السوريين الذين يقتنون أجهزة (الآيفون) بأنهم ليسوا فقراء، واتهمهم باستغلال أطفالهم للحصول على اللجوء في أوروبا،  يلخص “جهله”، و”جهل” كثير ممن شاركوه الرؤية، بطبيعة تلك العلاقة (الحميمية)، بين اللاجئ السوري والهواتف الذكية.

قناة الوصل مع الوطن وبلد اللجوء

يعيش اللاجئ السوري نفسُه في أكثر من مكان بآن واحد، فهو يقطن في بلد أوروبي أو أميركي، ويقطن في دول الجوار السوري؛ حيث معارفه وربما أهله، كما يقطن في بلده الأم سورية؛ حيث ذكرياته وكل من عرفهم وتربى معهم يومًا.

 

هذا الشتات، المتعدد الأبعاد، أوجب عليه أن يجمعه -كله- في حقيبة أخرى، غير ذاكرته وهواجسه، أن يجمعه في مكان واحد، بحيث يُحدّثُ معلوماته عن هذا الشتات من خلاله، فلا يفوته شيء عنه.

يقول عمر، لاجئ سوري في فرنسا، لـ (جيرون): إن “هذه الهواتف هي صلة الوصل بيني وبين وطني اليوم، أنا أتابع أخبار سورية عن طريقها، أعرف ما يحصل في ذلك المكان الذي لا يعرف عنه الأوروبيون كثيرًا”.

 

وأضاف عمر: “بعض أهلي يعيشون اليوم في تركيا، وبعضهم الآخر يعيش في سورية، ولأنني لاجئ؛ فأنا لا أمتلك المال الكافي لأُجْري في اليوم أكثر من عشرة اتصالات مع كل من هم تحت خطر النار في سورية، ومع أهلي الذين يعيشون في تركيا؛ من هنا كانت أهمية الهواتف الذكية التي تعتمد على الإنترنت، تجري كل اتصالاتك دون خوف من أن تفقد مرتب لجوئك”.

 

من جهته، قال مهند، الذي يقيم في السويد، إن “شبكات التواصل الاجتماعي أصبحت هي المصدر الأفضل للأخبار، بالنسبة لنا، وهذا لا يعني أخبار سورية فحسب، بل حتى أخبار أوروبا نفسها؛ فهناك -اليوم- مجموعات في شبكات التواصل الاجتماعي تُعرّفك بقوانين البلد الذي أنت لاجئ فيه، وتعطيك كل ما يلزمك من معلومات حول الإقامة والتشريعات التي تخص الوجود السوري هنا”.

كما قال كثير ممن استطلعت (جيرون) آراءهم: إن تكاليف الاتصالات الدولية التي سيجريها اللاجئ السوري -خلال شهر واحد- تكفيه لأن يقتني واحدًا من أفضل الأجهزة الذكية، والتي بدورها تمكنه من التواصل مع من شاء، ومتى شاء، على مدار سنوات، وليس شهرًا واحدًا فحسب.

 

ويقول قصي، لاجئ سوري يعيش في فرنسا: “إن من وصل أوروبا، ولا يحمل معه جهازًا ذكيًّا، يتوجب عليه شراء هاتف جديد؛ وذلك، لأسباب تتعلق بالتواصل مع الأهل والأصدقاء الذين هم معرضون لخطر الاعتقال والموت، كما أن التكلفة العالية للاتصالات الخارجية، هي أحد الأسباب”.

 

وأوضح قصي أن “اللاجئ السوري الموجود على الأراضي الأوروبية ترك بلده، مخافة الموت والاعتقال، ولم يتركها من باب الفقر؛ لذلك، فليس من المستغرب (إن تركنا الضرورات السابقة جانبًا) أن يمتلك جهازًا ذكيًا في الأصل”.

 

الهواتف الذكية بوابة العمل

يقول نائل، لاجئ سوري يعمل في مجال المحاسبة، إن “الأجهزة الذكية اليوم أصبحت بالنسبة للسوري كالمكتب، يعمل من خلالها؛ ليجني مالًا يكفيه لسد رمقه، فضلًا عن أن بعض الأعمال لا يمكنك إنجازها، دون برامج التواصل الخاصة بالأجهزة الذكية”.

وأكد لـ (جيرون) أن جزءًا كبيرًا من عمله يتم عبر برامج التواصل الاجتماعي، و”بدونها لا يمكنني الاستمرار في العمل، فليس كل شخص لديه “إيميل” أو “سكايب”، لكن الجميع لديهم برامج تواصل اجتماعي، خصوصًا إذا ما أتينا إلى المدنيين العاديين وكبار السن، حتى أن بعضهم لم يسمع بالبريد الإلكتروني من قبل”.

وأشار إلى أن الهواتف الذكية “خلقت مجالات عمل جديدة أيضًا، فمثلًا مكاتب الحوالات التي تعمل في إطار السوق السوداء، تُنجز عملها بشكل كامل عبر الأجهزة الذكية؛ حيث يقوم القائمون على هذه الأعمال بالتواصل مع عملائهم في كل البلاد، عبر برامج التواصل الاجتماعي، لتحويل العملات من وإلى أي بلد يوجد فيه سوريون، وبأسعار زهيدة، مقارنة بمكاتب الحوالات القانونية”.

 

وأضاف: إن “بعض الذين يستغربون من تعلّقنا بالأجهزة الذكية، وينتقدوننا على الساعات الطويلة التي نمضيها أمام شاشات تلك الأجهزة، لا يدركون أن داخلها يمكثُ أهلنا، أقاربنا، أعمالنا، نحن نعيش معهم وهم يعيشون معنا”.

من جانبه قال رامي، الذي يقطن في تركيا، ويعمل في مجال رصد الأخبار: ” أجري اتصالاتي مع الداخل السوري عبر الأجهزة الذكية، وعبر وسائل التواصل الاجتماعي الموجودة فيها، أستقي الأخبار من الموجودين هناك، لحظة بلحظة”، وعقّبَ: “تخيل لو أنني لا أقتني هذا الجهاز، كيف كنت سأعمل؟”.

 

كما أكد سعيد، الذي يعمل في مكتب حوالات في إحدى دول الجوار السوري، أن “الهواتف الذكية هي الجسر الذي تمر عبره كل حوالات السوريين في الخارج إلى أهاليهم في الداخل، العملية بسيطة جدًا: أُرسل إلى شريكي رسالة نصية، مفادها أن أعطِ فلانًا هذا القدر من المال، فيعطيه. وهكذا، لا يستطيع النظام السوري أن يعلم بطبيعة عملنا؛ فيعتقل من هم داخل سورية لمزاولتهم هذا العمل الذي يخدم السوريين كما يخدمنا”.

 

ورأى أنه “في الحقيقة نحن لا نقوم بهذا العمل من أجلنا فحسب، بل نحاول تيسير أمور أهلنا السوريين أينما وجدوا؛ هذه الهواتف جعلتنا نأكل ونشرب، ونخدم السوريين أيضًا”.

ولعل من الجدير ذكره أن هذه الحالة -امتلاك الأجهزة الذكية- ليست خاصة بالسوري الموجود خارج الأراضي السورية فحسب، بل هي ذاتها عند السوري داخل البلاد، لاسيما وأنها الطريقة الأرخص والأكثر أمانًا لتواصله مع أبنائه أو أقاربه خارج الحدود الجغرافية لهذا البلد الذي ينزف دمًا وبارودًا.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق