قضايا المجتمع

إرهاب الدولة النظام الأسدي أنموذجًا

ورد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة. وبالتحديد المادة /3/، على أنه “لكل فرد الحق في الحياة والحرية، والأمان على شخصه”. ولكن إذا فقد الفرد حقه، وما يضمن الأمان له ولأسرته. فماذا يفعل؟

 

لابد له من الدفاع عن حقوقه، وحقوق إخوانه. لكن الأمر لا يقف عند هذا الحد. حيث يصبح إرهابيًا في نظر العالم كله، إلا المظلومين مثله.

 

وهنا، نقول بأن مفهوم الإرهاب مفهوم فضفاض، لا يمكن حصره ضمن إطار معين، أو قواعد محددة يقاس عليها؛ لأنه يمكن أن يمارَس بصور وأشكال شتّى، من حيث الوسائل المستعملة، والأهداف المبتغاة، وكذلك القائمين به، فمن هم القائمون بالإرهاب؟ وهل يمكن حصرهم في أفراد؟ هيئات؟ دول؟ مجموعات؟… إلخ.

 

إرهاب الدول

يمكن أن نميز في الإرهاب أنواعًا عدة، تبعًا للغاية المرجوة منه (هدفه)، والوسط الذي ينتشر فيه، أو الجهة القائمة به، أو الطريقة التي يُنفذ بها (من حيث الجهة القائمة بالإرهاب، يمكننا أن نميز بين إرهاب الدولة، من جهة، وإرهاب الأفراد، وبعض المجموعات غير الحكومية، من جهة أخرى).

 

بمفهوم إرهاب الدولة

إرهاب الدولة هو أعمال العنف التي تقوم بها الدول ضد أفراد، أو جماعات، أو دول أخرى، بقصد الانتقام، ودون مبرر قانوني، أو “بهدف تحويل صفة الإرهاب عنها”؛ كما يفعل النظام الأسدي في تعامله مع ثورة الشعب السوري.

 

يقول الدكتور عبد الله سليمان سليمان: إن “إرهاب الدولة، نعني به الأعمال الإرهابية التي تقوم بها الدولة نفسها، وكذلك الإرهاب الذي ترعاه الدولة وتكفله، وإنْ قام به أفراد أو مجموعات من أناس آخرين”.

من ذلك نفهم أن الإرهاب الذي تقوم به الدولة، هو مجموعة الأعمال التي تقوم بها الدولة، عن طريق أفراد ومجموعات مرتزقة؛ كما يفعل النظام السوري؛ حيث استجلب أكثر من 18 جنسية، تُقاتل ضد الشعب السوري. أو تباشرها بنفسها، كإلقاء البراميل المتفجرة على المدنيين والعزّل، بحجة أنهم حاضنة للإرهاب، أو ترعاها كما حدث عند دعم ما يسمى بـ “اللجان الشعبية”. وقد تكون أحادية، أو ثنائية، أو جماعية، وخير دليل على ذلك العدوان الثلاثي على مصر الذي شنته كل من بريطانيا وفرنسا و(إسرائيل)، على إثر تأميم قناة السويس 1956. والدليل الأحدث -اليوم- سورية وإيران وروسيا، ودول التحالف الأخرى في مواجهتها الشعب السوري.

في هذا المجال، لا يسعنا إلا أن نقول: إن النظام السوري وحليفته إيران، هما أبرز وأكبر قوة إرهابية دولية في العالم.

 

نعود، ونؤكد بأن مصطلح “الإرهاب” و”الرد الانتقامي”، بحسب ادعاءات النظام السوري، هما مصطلحان يتسمان بخصوصية، فالأول يشير إلى الأعمال التي يقوم بها “الإرهابيون” (الشعب السوري). أما الأعمال التي تقوم بها أنظمة سورية وإيران وروسيا ضد الشعب السوري، فتسمى (ردًا انتقاميًا).

 

 

كما نجد أن الإرهاب، من الناحية التاريخية، قد اقترن بالحكومات في حقبة اليعاقبة، وخصوصًا حين تسلم (روبسبير)، أحد كبار رجال الثورة الفرنسية، مقاليد الحكم في الأيام الأخيرة من الثورة الفرنسية، بحيث حكم البلاد بالحديد والنار، وأرسل يوميًا العشرات، بل المئات من الفرنسيين إلى المقصلة. وقد سمي ذلك العهد من التاريخ بـ “عهد الإرهاب”؛ حيث اختفى حكم القانون والعدل والنظام، وعمّت الفوضى أرجاء البلاد وساد الظلم والتعسف. ولم يختلف النظام السوري عن فترة حكم اليعاقبة، منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي، حتى مطلع الثمانينيات بارتكاب مجازر جسر الشغور وإدلب، وتوجها بمجزرة حماة الوحشية. ولا بد من أن نؤكد على المجزرة المستمرة بحق الشعب السوري، منذ 18 آذار/ مارس 2011، وحتى تاريخه.

 

يعرّف -تبعًا لذلك- قاموس وبستر الإرهاب على أنه “أسلوب للحكم أو لمعارضة الحكم عن طريق التهديد”.

مهما يكن من أمر، فإن اتفاقية عصبة الأمم المتحدة لعام 1937، بشأن خطر وعقاب الإرهاب (اقتصرته على الأفعال المرتكبة من قبل الفرد والموجهة ضد الدولة). يُستشف ذلك من المادتين: 1 و2 من ميثاق العصبة، ومن طبيعة الأعمال المحظورة في المادتين: 2 و3، وفي تقرير لوزارة العدل الأميركية، حول تورط بعض الدول في تمويل الإرهاب، يورد أسماء ستة من البلدان، تعدّها الإدارة الأميركية متورطة في أعمال الإرهاب، وهي بعض الأعمال في السنوات القليلة الماضية والتي دبرتها الولايات المتحدة، فهي “التي دبّرت الانقلاب الدموي في تشيلي، والحصار على كوبا ونيكاراغوا، وموّلت عصابات  الكونتراس، وهي التي اجتاحت غرينادا وبنما، وهي التي أرسلت طائراتها الفاشية إلى إيطاليا؛ لتدمير انقلاب يميني فاشي هناك”.

 

يتساءل الأستاذ الدكتور المهدي المنجرة، في كتابه (الحرب الحضارية الأولى) قائلًا: “ما هي البلدان التي بدأت إرهاب الدولة، غير تنظيم انقلاب عسكري ضد مصدّق في إيران عام 1953، وخطف طائرة أحمد بن بلّة في تشرين الأول/ أكتوبر 1956، ومن استخدم باضطراد حق (الفيتو) ضد إرادة المجموعة الدولية كاملة؟”.

 

من خلال الاطّلاع على كتابات عدد من الكتاب والمفكرين والخبراء، نراهم يتجاهلون إرهاب الدولة الذي تمارسه النظم والدكتاتوريات بحق شعوبها، ويعدّون تلك الأعمال شأنًا داخليًا، يخرج عن اختصاصهم في نصرة الشعوب المضطهدة، ولا خيار أمام تلك الشعوب، إلا اجتراح الظلم، أو أن تثور لتنال حريتها بدمائها.

 

لقد أكد الجنرال سترلينكوف، في حوار مع مجلة الكفاح العربي، وهو الخبير في الجاسوسية على مدى 27 عامًا، والمعروف جيدًا وبامتياز لدى شبكات المخابرات الدولية، بالفكر والعقل والتحليل والمنطق، بأن الولايات المتحدة تنزع في مخططها إلى عملية إبادة كونية، وخلق الأوضاع الملائمة للدمار، والكوارث، والمجاعات، والأوبئة؛ للإبقاء على (المليار الذهبي) من مجمل سكان العالم، البالغ زهاء 5 مليارات نسمة. هذه عيّنة عوراء ترى العود في عيون أميركا، ولا ترى “الخشبة” في عيونها الروسية وغيرها.

 

كذلك لا ننسى امتلاك أميركا السلاح النووي كسلاح إرهابي، ولكن لم يعد هذا السلاح الأكثر إخافة في العالم؛ لأنه إن استُعمل دمر كل شيء في بقعة واسعة. أما السلاح الإرهابي الآخر، فيتمثل بالأسلحة الكيمياوية والجرثومية والبيولوجية، والتي اكتُشفت مع بدايات القرن العشرين، وخصوصًا بعد الحرب العالمية الأولى. واستُخدم أول مرة سنة 1915، وفيما لو افترضنا بأن (إسرائيل دولة)!! نجدها قد أنشأت مؤسسات عسكرية عدة، مهمتها ممارسة الإرهاب؛ قال بن غوريون (زعيم الإرهابيين): إن حدود “إسرائيل” سوف يحددها الجندي الإسرائيلي، وكان أول ما فعله بن غوريون تشكيل لواء، مهمته إرهاب الدول العربية (جيران الدولة الجديدة) وكان هذا اللواء، هو اللواء 101؛ حيث قام بالعديد من الأعمال الإرهابية ضد السكان المدنيين العزّل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وكذلك في المناطق المجاورة (الدول العربية).

 

وبالعودة إلى سياق التحليل، نجد أن بعض المحللين السياسيين ذهب إلى الاعتقاد بأن الإرهاب أصبح بديلًا من الحرب، في حين يرى الدكتور أحمد عز الدين أنه أصبح بديلًا من الحرب فعلًا (ولكن التقليدية)؛ ذلك، لأن الإرهاب أصبح وسيلة للتأثير في القرار السياسي.

أما الدكتور نبيل أحمد حلمي، فيعرّف الإرهاب بأنه الجريمة الدولية، والتي هي “عبارة عن التصرفات التي تخالف قواعد وتقاليد النظام الدولي، وقواعد الإنسانية”.

 

لا يُنفذ إرهاب الدولة -دومًا- على نحو غير مباشر، على الرغم من أن هذا الأسلوب هو الأكثر شيوعًا، ذلك أن إرهاب الدولة الدولي يمكنه أن يكون الأكثر مباشرة أيضًا. ويكون ذلك حينما تقوم القوات المسلحة النظامية لدولة من الدول بشن هجوم على دول أخرى، أو على ممتلكاتها. وهذا ما حدث في الغارات الإسرائيلية على مطار بيروت سنة 1968، ومطار عنتيبي سنة 1976، والمفاعل النووي العراقي (تموز) 1981، وغزو لبنان سنة 1982، والإغارة على تونس سنة 1985… إلخ.

 

لقد أثارت الجزائر موضوع “إرهاب الدولة”، ومحاربة أسبابه، المتمثلة بالاستعمار والاحتلال الأجنبي والتمييز العنصري، وأيدتها في ذلك مجموعة الدول الاشتراكية، ودول عدم الانحياز. والذي أجبر الجمعية العامة على اتخاذ القرار رقم (61/ 40) في كانون الأول/ ديسمبر 1985 والذي حدّد إرهاب الدولة.

 

قد يتعدد إرهاب الدولة، ويتجاوز الأعمال الإرهابية المباشرة، إلى غير المباشرة التي ذكرناها سابقًا، وذلك تبعًا للتطور الصناعي والإعلامي… إلخ، مثل الإرهاب الدعائي والإعلامي، والإرهاب الاقتصادي، والإرهاب الفكري والثقافي، والإرهاب الصحي، على عكس ما كان عليه قديمًا، فمثلًا إرهاب الدولة إبان حكم لينين، ارتدى طابعين رئيسين: الأول، هو الأشكال التي اتخذتها عمليات القمع الإرهابية والشمول الذي اتصفت به.. والثاني هو أن الإرهاب قد اتخذ صفة الصراع الطبقي بصورة واضحة”، يتضح ذلك في خطاب ألقاه (تروتسكي) بعد أحداث أيلول/ سبتمبر عام 1917، بوقت قصير.

 

يدخل مثلًا ضمن الإرهاب الاقتصادي للدول ما قامت به الولايات المتحدة الأميركية في عقد الثمانينيات من القرن الماضي بإلقاء آلاف الأطنان من فائض القمح في البحر، سعيًا منها للمحافظة على سعره العالمي ثابتًا، على الرغم وجود مجاعات بشرية في بقع كثيرة من العالم، وكذلك القروض والمساعدات باهظة الثمن، والأرقام الخيالية التي تمنحها إلى “إسرائيل”، بحجة تأمين المهاجرين.

 

لم يترك النظام السوري فرصة لممارسة أعمال إرهاب الدولة إلا واستغلها. من الاغتيالات، إلى المؤامرات، إلى التفجيرات، فقصف المدنيين، ومحاصرة المدن، وتجويع السكان، ثم استعمال الأسلحة المحرمة دوليًا، بما فيها الأسلحة الكيمياوية والجرثومية، إلى رهن مصير البلاد، واستجلاب المرتزقة والعصابات الإرهابية وتمويلها ودعمها.

 

لم يتوانى هذا النظام عن محاربة القضية العربية المركزية (القضية الفلسطينية)، وتفتيت قواها السياسية والعسكرية، والمتاجرة بها تحت شعارت براقة (المقاومة والممانعة). ثم إنه  هو من أرسل المفخخات إلى العراق، وفجّر في الأسواق، وسهّل دخول الإرهابيين إليها، ليس لشيء سوى ليلقى القبول الأميركي أولًا.

أليست جرائم الاغتيالات في لبنان شواهد صارخة على إجرام هذا النظام، من سمير قصير، إلى جورج حاوي، والعشرات من الأبرياء، وليس آخرهم رفيق الحريري؟

لم يلق شعب من الشعوب ما لقيه الشعب السوري على يدي هذه الفئة المجرمة التي سيطرت على البلاد، واستعبدت العباد، ودمرت الأحياء والجماد.

 

لقد استغل النظام السوري كل الوسائل، بما فيها استخدام السجناء الخطرين وأطلاق سراحهم؛ لعلمه اليقيني بما سيؤول إليه حالهم عند خروجهم، وكيف سيرتكبون الجرائم، فيستخدم أفعالهم لتشويه ألق الثورة، وإرسال رسائل مخيفة إلى العالم أجمع (الأسد أو نحرق البلد)، (الأسد العلماني حامي الأقليات، أو الإرهاب الإسلامي وداعش).

يستطيع الباحث المختص والمثقف العادي محاولة إجراء مقارنة سريعة بين مبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وأفعال النظام السوري، ليتفاجأ أن النظام السوري اخترق وخالف كل القيم والمبادئ والحقوق الإنسانية، وعلى رأسها حق الحياة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق