تحقيقات وتقارير سياسية

الائتلاف السوري والدور الوظيفي

في تشرين الأول/ أكتوبر 2011، أعلنت قوى سياسية سورية عدة عن تشكيل المجلس الوطني السوري في اجتماع عقدته بمدينة اسطنبول التركية، وجاء في وثائقه التأسيسية أن هدفه إسقاط النظام، وبناء دولة مدنية ديموقراطية، وحظي المجلس -حينئذ- بدعم الشارع السوري الذي توقع أن يكون خطوة أولى نحو اعتراف دولي بمؤسسات المعارضة السورية، وأعلن المتظاهرون السوريون دعمهم لهذا المجلس في جمعة (المجلس الوطني يمثلني).

 

مع الوقت، اتّضحت تركيبته العشوائية، وتناقضات برامج الكتل المكونة له، و(الطفولة) السياسية لبعض قادته وقصر رؤاهم، ونخرته المحسوبيات والمصالح الشخصية؛ فتركه مستقلون، وانشقّت عنه قوى ومجموعات، وبدأ الدعم العربي والدولي يتراجع، وترافق ذلك مع تنامي قناعة لدى السوريين بسعي المجتمع الدولي لكسب الوقت، عبر تكبيل المعارضة السورية وتنميطها.

القفز من المجلس إلى الائتلاف

بعد مضي عام من انطلاقة المجلس الوطني، بُدئ العمل على تشكيل جسمٍ بديل وهيكليّة جديدة؛ لتمثيل طيف أوسع من السوريين، وبعد اجتماعات ومشاورات بين القوى السورية، ومشاورات مع أطراف عربية ودولية، أُعلن عن تأسيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة في الدوحة، العاصمة القطرية ، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2012، ضمّ عند تأسيسه 63 عضوًا، وجاء في وثائقه التأسيسية أن هدفه “إسقاط النظام بكل رموزه وأركانه، وتفكيك الأجهزة الأمنية، ومحاسبة من تورط في جرائم ضد السوريين”، والتزم بـ “عدم الدخول في أي حوار أو مفاوضات مع النظام”، وأشار إلى أنه سيحل نفسه عند تشكيل حكومة انتقالية تقود البلاد، بعد تغيير النظام.

انتُخب الشيخ معاذ الخطيب رئيسًا له، وتسارع الاعتراف العربي والدولي به، كممثل شرعي للشعب السوري، وجرى العمل لتسليمه مقعد سورية في جامعة الدول العربية التي اعترفت به كممثل شرعي ووحيد للشعب السوري بالقرار رقم 7595، وحضر الخطيب القمّة العربية التي عُقدت في الدوحة في آذار/ مارس 2013، وألقى كلمة سورية، بعد أن عُلِّقت عضوية النظام في تشرين الثاني/ نوفمبر 2011، وكان هذا أول تمثيلٍ رسمي للمعارضة السورية في المؤسسات العربية الرسمية.

بعد توسيعه، وإضافة كتل سياسية إليه، تنامت الصراعات الداخلية بين مكوناته، وازدادت التجاذبات والخلافات على المناصب، حتى أنها طالت الحكومة الموقتة؛ حيث بدا واضحًا رغبة الجميع بالتدخل في عملها، وحتى بتعيين موظفيها، وتطور الخلاف؛ ليصبح شخصيًا بغطاء سياسي، فأعلن الخطيب استقالته من رئاسة الائتلاف؛ لعدم قدرته على إعادة هيكلة الائتلاف، وتصحيح مساره، من جهة، ولقناعته بأن المجتمع الدولي لم يقم بواجباته تجاه الشعب السوري، من جهة ثانية، بحسب ما صرّح.

تراجعت أسهم الائتلاف عند الشارع السوري، وخفّت شعبيته، وبدأ أصحاب الثورة يوجهون له اتهامات بالضعف والشخصنة، ويقولون: إن أمراض النظام انتقلت إليه، وأعرب كثيرون عن استيائهم من ارتهان هذه المؤسسة المعارضة -بشكل كبير- للدول المانحة والداعمة، وانسحبت الانتقادات نفسها؛ لتطال الحكومة الموقتة التي سرعان ما بدأت تتراجع فعاليتها، مع تراجع التمويل.

الائتلاف من ممثل وحيد إلى كتلة في وفد التفاوض

إن كان الشارع الثائر قد حمّل الائتلاف وِزر ما آلت إليه الأمور، فإن المعطيات تشير إلى تداخل أمور عديدة، أوصلت الجميع إلى هذه الدائرة المفرغة، فمن الطبيعي أن يتساءل بعضهم عن دور المجموعة العربية في سياق ما حصل، وكذلك دور دول العالم المؤثرة، والتي انضوت تحت اسم مجموعة أصدقاء الشعب السوري.

 

وبالعودة إلى التزام الائتلاف، في وثائقه الأولى، بعدم الدخول في مفاوضات مع النظام، وتراجعه عن ذلك، وقبوله التفاوض مع النظام، كجزء من الهيئة العليا للمفاوضات، فإن كثيرين باتوا يعتقدون أنه دُفِع بالائتلاف – وبغيره – لإيصال المعارضة إلى حالة، تبدو فيها غير قادرة على تأسيس سلطة بديلة، تنقل البلاد إلى مرحلة سياسية جديدة، فإن كان الأمر كذلك، فإن هذا يعني أنه كان للائتلاف دور وظيفي؛ لتعبيد ذلك الطريق، والتمهيد لمرحلة، يقبل فيها الجميع التفاوض مع النظام، تمهيدًا لهيئة حاكمة انتقالية تشاركية مع النظام.

بعد تشكيل هيئة التفاوض، أصبح الائتلاف كتلة من مجموع مكوّناتها، على الرغم من أنه عُدَّ عند تأسيسه “ممثلًا شرعيًّا ووحيدًا لقوى الثورة والمعارضة”، ووُعِد بأن يحصل على تمثيل كامل في جامعة الدول العربية وما يتفرع عنها من مؤسسات، وسُلّطت الأضواء الدوليّة عليه، وأعطي حالة بروتوكوليّة معقولة، وكان مستوى الترحيب بقياداته من دول أوروبية سمحت له بتعيين ممثلين، ما سلّط الضوء عليه كجسم سياسي معارض، يمكن أن يكون بديلًا معتمدًا عن النظام، بما فيه التمثيل الديبلوماسي، لكن حاله الحالي لا يوحي بأن ذلك قد تمّ.

من الصعب الوصول إلى توصيف دقيق للحالة التي كانت مطلوبة دوليًا من الائتلاف، بوصف أن ذلك يتعلّق بعمق السياسة الخاصّة بالدول، ولكن متابعة مسيرة هذا الكيان السوري المعارض، تؤكد أن الجدّية كانت مفقودة من قبل المجتمع الدولي وأصدقاء الشعب السوري، قابلها جديّة واضحة من قبل حلفاء النظام، ولو كانت الدول الفاعلة جادة برغبتها في الوصول إلى حلول حقيقية للقضية السورية، لما احتاج الأمر إلى إيجاد هيئة تفاوضية منفصلة عن الائتلاف.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق