مقالات الرأي

محاولة في تفسير السياسة الأميركية في المسألة السورية

منذ البداية، بدا موقف الإدارة الأميركية من المسألة السورية مثيرًا للحيرة والريبة أيضًا، فمن عدّ الأسد غير شرعي وعليه الرحيل (2011)، إلى بيان جنيف بخصوص إقامة هيئة حكم ذات صلاحيات تنفيذية كاملة (2012)، ثم صفقة الكيماوي (2013) وبداية الحديث عن تسوية مع النظام، وصولًا إلى تسريب نوع من التفاهم مع روسيا بخصوص الحرب ضد الإرهاب، والإبقاء على الأسد في المرحلة الانتقالية.

الحقيقة أن المشكلة لا تكمن في الولايات المتحدة، وإنما تكمن في فهمنا لها، أي في إدراكنا لمنطلقاتها السياسية ولمصالحها الاستراتيجية، وفي ظنّ بعضنا أنها تشتغل في خدمته، أو بحسب مفاهيمه ومتطلباته.

 

في واقع الأمر، نحن -هنا- إزاء دولة كبرى تتعامل ببراغماتية عالية مع القضايا العالمية، من دون أي ثوابت أيديولوجية، ولا حتى سياسية، فضلًا عن ذلك، فنحن نتحدث عن موقف لدولة كبرى من دولة صغيرة هي سورية، لم تُحسب يومًا عليها، ولا تؤثّر في حساباتها الاستراتيجية، لا السياسية ولا الأمنية ولا الاقتصادية، ولا سيما أنها تعلم أن النظام في هذه الدولة لم يشكّل يومًا أي تحد لها منذ قيامه، بل إنه في المفاصل الحساسة والخطيرة كان ممالئًا لسياساتها ومصالحها. ولعل هذا يذكرنا بمعاني تواريخ مثل: أحداث أيلول/ سبتمبر 1970، التدخل العسكري في لبنان 1976، المشاركة الرمزية في (حفر الباطن 1990، الانخراط في عملية التسوية التي انطلقت من مؤتمر مدريد 1991)، هذا كله مع الحفاظ على الأمن على الجبهة السورية ـ الإسرائيلية لأكثر من أربعة عقود.

 

في مرحلة ماضية، أي في عهد الحرب الباردة وانقسام العالم إلى معسكرين، كانت السياسية الأميركية في الشرق الأوسط تعرّف بعدة ركائز: وضع اليد على النفط من المنابع إلى الممرات، والمحافظة على أمن إسرائيل، وحماية الأنظمة الصديقة، وعدم السماح لدولة أخرى بالهيمنة على المنطقة. بيد أن من الخطأ التصرّف -الآن- وكأن هذه الثوابت مازالت على حالها؛ إذ انتهى الاتحاد السوفياتي السابق، وباتت الولايات المتحدة بمنزلة القوة الوحيدة المهيمنة على العالم، وثمة فجوة كبيرة بينها وبين الدول الكبرى الأخرى، ولا سيما في مجال الاقتصاد والتكنولوجيا والعلوم؛ إذ إن روسيا ذاتها تعاني من الحظر الذي فرضته عليها الولايات المتحدة في مجال التكنولوجيا، وتضغط بكل الوسائل من أجل رفعه. والمعنى أن ما ينبغي إدراكه، هو أن قوة الولايات المتحدة الأميركية تتجلّى -في هذا العصر- في مجال القوة الناعمة (العلوم والتكنولوجيا والاقتصاد والإعلام ووسائل الاتصال)؛ ما يخلق شعورًا مضللًا بضعفها، معطوفًا على سياسة أوبامية، غير تدخّلية، مع العلم أن قوتها العسكرية تضاهي الدول الكبرى مجتمعة، وأن إنفاقها على التسلح يبلغ 40 بالمئة من الإنفاق العالمي.

 

أما بخصوص النفط، فلم يعد الأمر يتعلق بأمن الولايات المتحدة النفطي، بعد الاكتشافات النفطية الهائلة فيها، مع أن الأمر يبقى في مركز اهتمامها، لكن لفرض نفوذها على الدول الكبرى الأخرى من خلال سيطرتها على النفط الخليجي. أما بخصوص المحافظة على الأنظمة الصديقة، فهذا لم يعد يدخل في حساباتها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وبعد أيلول/ سبتمبر 2011، ومع طرحها فكرة (نشر الديمقراطية) عام 2002، ومشروع (الشرق الأوسط الكبير) في هذه المنطقة، بما يتضمنه ذلك من إدخال تغييرات على النظم السياسية القائمة؛ بحيث لم يبق من تلك الركائز سوى المحافظة على أمن وتفوق إسرائيل، وحتى هذه، تبقى ضمن المفهوم الذي تحدده الولايات المتحدة الأميركية.

 

القصد أنه لا يمكن فهم السياسة الأميركية في سورية، بدون مراجعة ما فعلته في العراق (منذ 2003)، لجهة تلزيمه لإيران، وتسهيل صعود نفوذها في المشرق العربي؛ فهذا ما أسس لما حصل لاحقًا، مع رعونة النظام الإيراني والسياسات التي انتهجها فيه، وقد نتج عن كل ذلك إثارة النعرة الطائفية – المذهبية في المشرق العربي، وشقّ المجتمع العراقي، وتقويض الدولة في العراق، وسيادة الميلشيات الطائفية – المذهبية المدعومة من إيران، على نحو ما نشهد حتى الآن؛ هذا أولًا. أما ثانيًا، فلا يمكن فهم ما جرى دون ملاحظة أن الولايات المتحدة تتفرّج على ما يحدث، دون أن تدفع أي ثمن، ودون أن تتورّط، إذ بحسب تعبير لبريجنسكي (في كتابه: بين عصرين) هي التي توزّع التناقضات، وهي -أيضًا- التي توزّع المكاسب، وضمنه بتشغيلها الآخرين كوكلاء. والمعنى أن الإدارة الأميركية تشتغل -اليوم- على توريط الجميع: روسيا وإيران وتركيا والسعودية وغيرهم، في المعمعة السورية، واستنزافهم وإنهاكهم وضرب بعضهم ببعض، وهذه ليست إدارة ظهر، وإنما لعب وتورية، وليست إدارة صراع أو أزمة، وإنما كاستثمار في صراع أو في أزمة، مع إدراكها لواقع قدرتها على التحكم، فهي التي تقرر الحسم ومتى، لأنها هي التي تملك المقدرة وأوراق القوّة. ثالثًا، لا يمكن فهم ما يجري بدون ملاحظة أن إسرائيل هي الرابح الأكبر من التصدع المجتمعي والدولتي في بلدان المشرق العربي، سيما سورية والعراق، فهي اليوم تبدو البلد الأكثر أمانًا واستقرارًا لعقود.

 

ثمة ملاحظتان أخيرتان هنا: أولاهما، أن من السذاجة الاعتقاد أن روسيا تشتغل لحساب إيران، أو لحساب نظام الأسد في سورية، فهي تشتغل لصالحها، أو لصالح مساومة ترتجيها مع الولايات المتحدة، على مكانتها الدولية، وعلى رفع الحظر المفروض عليها، وعلى وقف نشر الصواريخ في محيطها الاستراتيجي، ولعل هذا ما يفسر اختلاف الأجندة الإيرانية والروسية، فروسيا تعتقد أن إيران أقل من أن تزاحمها حتى في سورية، وهي تتصرف على أنها هي صاحبة الكلمة الفصل في الشأن السوري وليس إيران. وثانيتهما، أن الولايات المتحدة مازالت لم تحسم أمرها، وأنها هي التي تسمح بالتدخلات الخارجية (الإيرانية والروسية والتركية والسعودية وغيرها) وهي التي تتحكم بوتائر الصراع الجاري، بحدوده ومستوياته.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق