هموم ثقافية

التجربة الإبداعيّة وفعل النقد

فعل النقد بعمومه، يتناول موضوعه ويعالجه عبر آليات وطرق وأساليب، تتيح للفاعل التحليل والتقييم، والحكم على الفني أو الأدبي شكلًا ومضمونًا؛ وعليه، فمن البديهي القول: إن هذه الآليات والطرق والأساليب تتغير وتتبدل توافقًا مع تطور هذه الفنون وتطور المدارس والنظريات النقدية؛ ما يستدعى -وفي كل مرحلة من مراحل هذا التغيّر- البحث عن معايير جديدة، فضلًا عن تغيّر النظرة الإنسانية الواقعية لمفردات الحياة، وما جرّت معها من تغيّر واختلاف في حالة وأساليب التذوّق الجمالي للمنجز الإبداعي، وأخذها أشكالًا متباينة مختلفة من زمن إلى آخر.

إن النقد -بمفهومه الحياتي الواسع كأحد النشاطات العقلية عند الإنسان- قدمه قدم الإبداع الإنساني نفسه، ولمّا كان الإنسان بتكوينه الخَلقي متطوّرًا مُطوّرًا مُبدعًا، فقد مارس فعل النقد بشكل تلقائي مستمر، وطبّقه على تفاصيل إنتاجاته البشرية كافة، من مرحلة الإنسان الصياد إلى إنساننا الراهن.

 

يهمّنا في هذا السياق، المرحلة التي بدأت فيها الحالة النقدية الإنسانية بالانتقال من فطرتها؛ لتأخذ طابعًا فكريًا قاصدًا هادفًا، في نسق واضح، وضمن أطر محددة موجّهة، بالأخص في النتاج المعرفي الإبداعي تحديدًا.

 

فعل النقد الفني تاريخيًا ليس جديدًا في مفاهيمه الأوليّة، أو في محاولاته قراءة الروابط والعلاقات الخاصة بين موضوعه ومكوناته وعناصره التي تشكل في مجملها حالة فنية، أو منجزًا إبداعيًا ما.

 

ربما كان أرسطو أول المغامرين الذين خاضوا في بحر هذه المجاهيل، محاولًا قراءتها وتحليلها وتحويلها إلى معالم جليّة واضحة، وصولًا إلى تفسيرات لملامحها ودلالاتها ووظائفها. كان أوّل من وقف على القيمة الأدبية والقيم الفنيّة لنتاج شعراء التراجيديا والكوميديا الإغريق، وقد أصبحت نظرياته لاحقًا -في هذا المجال- القاعدة الأساسية والمنطلق الأول لكل باحث في النقد الفني، وما لبث شعراء المسرح أن تحولوا -بدورهم- إلى ممارسة فعل النقد على أعمالهم قبل تناولهم الأعمال الأخرى.

بطبيعة الحال تطوّر النقد الفني مع تطوّر الفنون الإنسانية بشكل عام، وبرز وازدهر في مراحل ازدهارها، كما انحط وهزُل في مراحل تراجعها وانحدارها، ما يدلّ على الوحدة الموضوعية وحالة الترابط والتلاحم، بين التطور والرقي الحياتي والمنجز الفني من جهة، وبين المنجز الفني والفعل النقدي من جهة أخرى.

 

ولكن، هل كانت العلاقة بين المنجز ونقده حالة توازٍ في الاتجاه والمسار؟ أم هي حالة من التلاقي والتقاطع ضمن إحداثيات فنية محددة زمانًا ومكانًا؟ هل العلاقة بينهما -على صعوبة الفصل بين التكوينين- علاقة سابقٍ ولاحق؟

إذا تتبّعنا زمنيًا مسار وتطور العلاقة بين المنجز -فنيًا كان أو أدبيًا، والنقد الملازم له بيانيًا- سنلاحظ أن الفترة الزمنية الأطول في عمر هذه العلاقة، أخذت شكل المنجز الفني السابق والتحليل النقدي اللاحق، في حالة من التوافق والانسجام المنطقي لبنية العقل البشري التي سبق فيها الإبداع العملي الإبداع النظري اللاحق له، بمعنى أن العمل الفني يخرج الى النور أولًا، ثم يأتي النقد النظري يقرؤه ويحلله، محاولًا تفسير دلالاته وتفكيك علاقات عناصره وكشفها.

 

بقيت العلاقة بين النقد والمنجز الإبداعي على هذا النحو حتى بدايات القرن التاسع عشر، عندما بدأت هذه العلاقة بالتحوّل والانزياح تدريجيًا؛ توافقًا مع بداية بروز وتصاعد تيارات فكريّة سياسية متنوعة، واجتماعية متبلورة، ونظريات نقدية فنية وأدبية مُتأثّرة بها، وتجارب فنية متعددة الألوان، فصار للنقد -بشكل عام- نظرياته الخاصة وطرقه المحددة التي حاولت، وضع معايير ثابته وقوانين واضحة متكاملة، مشكلة قواعد ونظم وآليات موحِدة لطرق التعاطي والقياس في تناول الناقد للعمل الإبداعي؛ ما جعل التجربة الجمالية والفكرية للمنجز الفني أكثر وضوحًا وفهما وإدراكًا.

 

ربما استطعنا، وفي هذه المرحلة من عمر العلاقة المستمرة بين المكونين بطبيعة الحال، والتي ازدادت عمقًا وتعقيدًا وانتشارًا، أن نصفها بعلاقة التوازي والترادف والنديّة.

 

ومع تعميد النقد الفني علمًا وضعيًا انسانيًا مستقلًا، له نظرياته الخاصة الواضحة المتكاملة وتوسّع آفاقه؛ ليطاول مختلف العلوم الأخرى، ارتقت هذه العلاقة أكثر وتقدمت باتجاهات أكثر تحليلًا وتركيبًا، إلى أن وصلت حد التنظير الفني السابق على المنجز أصلًا، حيث بلغت مبلغ العلم مكتمل الأركان، الذي يطرح فرضيات علميّة فنيّة نظرية محددة كمقدمات أوليّة، لتأتي التجربة الإبداعية لاحقًا، محاولة اختبارها والبرهان -هذه المرّة- على صحة هذه الفرضية النقدية الفنية عمليًا. ويأتي هنا مفهوم التجريب آخذًا الموقع المتقدم المعروف في النشاط الإبداعي الإنساني؛ جاعلًا من العلاقة بين المكونين الأصيلين؛ علاقة النقدي النظري السابق، والعملي التجريبي اللاحق.

 

على الرغم من أهمية هذا التطور في العلاقة بين النقد والمنجز الإبداعي، إلا أنه ومن الطبيعي ربما في صخب نزاع المفاهيم، وتشابك النظريات النقدية وترابطها وتباعدها، أن يحمل في طياته حالة من التطرف الفكري، والتكلّف التحليلي في التناول والتطبيق. إن هذا الخلط أو الشطط في القراءة والذي يُسهم، في تشكيل الصورة الكلية للعمل المُنتَقد، إسهامًا قد يظهر على هيئة مرض أصاب متن هذه العلاقة التكاملية شكلًا المتصارعة ضمنًا، في جدليّة شاركت في تعقيداتها الأيديولوجيات السياسية والاجتماعية المختلفة؛ الخاصة بالواقفين وراء هذه العملية النقدية العريضة.

 

على هذا النحو، تتمّ عملية نسخ الانتماءات والمعتقدات والمفاهيم الإيديولوجية للناقد، وتوقيعها على النظريات والمفاهيم وطرائق التحليل والقراءات، إلى الحد الذي بات فيه العمل الإبداعي، هو ما يقدّم قراءته لشخصية الناقد الذي تناوله، كاشفًا مفاهيمه الفكرية وانتماءاته الأيديولوجية والاجتماعية، بدل أن يكون العكس.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق