هموم ثقافية

حين كنا جميعًا هناك

تحاصَر حلب؛ فينتفض الفؤاد، حزنًا على أصدقاء الدراسة وجيران الأمس.

تُعلن معركة التحرير؛ فتهفو الروح إلى السير في الزواريب الحلبية، واستحضار أصوات السيدات الحلبيات، يتبادلن الأحاديث من الشرفات المتلاصقة، المحملة بأريج الزهور، وتمائم قادمة من الماضي البعيد، تشي بحكايا الأمهات والجدات التوّاقات للعودة إلى الحياة، وعناق أزواجهن العائدين من حرب، لم يملكوا إلا خوضها، من أجل رغيف خبز طازج يحتضنه أطفالهم، كما يحتضنون سِني الطفولة التي تتسرّب من بين الأصابع.

 

تحتدم الاشتباكات في (الحمدانية) فتستنفر ذكريات أعوام تزيد على العشرين في مخيلتي. أستحضر صور أصدقاء الطفولة، والمعلّمات اللواتي رافقن دربي فيها. كل شبر من سورية كان له فضل عليّ، كل شبر من ثراها وطأته من خلال حكايا أصدقائي ومعلميّ هناك.

ترحل الذاكرة إلى الشرفة الجميلة في الحمدانية، وأصدقاء الطفولة، والضحكات والمقالب.

 

حين كنا طالبات في المرحلة الثانوية، كانت مدرّسة الفلسفة تدعو أن يمنّ الله على الكرة الأرضية بقنبلة نووية، تريح الأرض من البشر. كنا نهزأ من كلماتها ونعدّها ضربًا من الجنون. كبرنا واكتشفنا أن الجنون هو أن تعيش على هذا الكوكب، وأن تستنشق هواءً، كل ما فيه ينضح بالكراهية.

 

بعض صديقات وأصدقاء الطفولة، ممن تشاركننا الألعاب والهواء، كبرت ألعابهن/م، وضاقت صدورهن/م ذرعًا بالهواء الذي نتنفس، فباتت ألعابهن/م بحجم وطن.

 

أن تسكن في منطقة كالحمدانية، يعني أنك تسكن فوق صفيحة زلزالية يوجد تحتها جرف هارٍ؛ فالمنطقة التي أنشئت فيها، كانت نائية تمامًا قبل ثلاثين عامًا، ثم كبرت وتضخمت؛ لتختصر سورية بين جنباتها من ناحية، ولتخفي أسرارًا، كان ينبغي ألا تكون في حوزة العوام.

 

أقلّب صفحات “الفيسبوك” التي تتداول أخبار الحمدانية. أقرأ تعليقات لبعض أصدقاء الطفولة؛ تتهمنا نحن -من قلنا لا، انتصارًا لقيم الحرية والعدالة- بأننا تكفيريون ومرتزقة. أستحضر نكهة الشطائر التي كنا نتبادلها في الاستراحة أثناء الدوام، أسأل نفسي: “هل كانت الشطيرة التي تناولناها سويًا محشوة بالنابالم؟!

 

أتذكر أنني تحوّلت إلى إرهابية فجأة، أعود لمتابعة التعليقات. تلك الزميلة التي كنت أختلف معها دائمًا بسبب تطرّفها في الآراء، وحديثها الطائفي عن بعض زميلاتنا، أفاجأ بها تحيي القائد، أضحك ملء فمي وأنا أستحضر النكات التي كانت ترويها لنا، حين كنا طالبات في الصف العاشر، يوم مات “باسل الأسد” في حادث سيارة؛ كانت نكاتًا تنضح بالطائفية، ولكنها -اليوم- بعد أن تزوجت من ابن عمها الضابط، باتت من ضمن الحاشية المقرّبة، وصار حديثها كلّه عن اللحمة الوطنية الآيلة للسقوط!

 

هناك في الحمدانية، حيث كانت سورية كلها تجتمع في حي صغير، لم نكن نفكّر في الانتماءات، كنا في الصف ننتمي إلى كلّ المدن السورية، ولكننا لا نعرف عن بعضنا شيئًا؛ فالحديث عن الانتماء الديني كان محرمًا، والمجاهرة بالرأي السياسي كانت جريمة.

 

ثمة ألف جهة وجهة تمارس دور الرقيب علينا، وتمنعنا أن نكون حقيقيين في تواصلنا، فكانت النتيجة أن نجد الوطن قد انشطر إلى ضفتين. ضفة تذهب به إلى أقصى اليمين، وأخرى انطلقت في الاتجاه المعاكس تمامًا، فراحت تستنكر وجود أناس بعقلية مختلفة، يشاطرونها الهواء ذاته.

صفحة الأخبار تشير إلى أنّ القذائف تنهال قريبًا من بيتنا القديم، لربما أصيب الزجاج الذي يغطي الواجهة التي كنا نستشرف كل الحي من خلالها. تلك الشرفة التي كنا نجلس فيها حين كنا صغارًا ونشاهد الرافعات التي تنقل الجدران مسبقة الصنع، لتنهض أبنية وأبنية، آذنت بالانهيار، قبل مضي بضعة أعوام على بنائها، فأعيد ترميمها.

 

كل شيء في الحمدانية هش؛ البيوت التي بنيت على عجالة، الناس التي كانت تخشى أن تتسرّب كلمة خاطئة من فم أحد أفرادها، لتشي بما يجول من أحاديث خلف الجدران المغلقة.
تحضرني حادثة جرت حين كنا أطفالًا في المدرسة الابتدائية، يوم أهان أحد الطلاب النبي الأكرم، أمام معلمتنا التي كانت تنتمي إلى الساحل السوري، يومها ثارت ثائرتنا جميعًا، غير أن معلمتنا تواصلت مع أسرة الفتى، من خلال عائلة زميل له، شاهد الحادثة وانبرى موبخًا صديقه.
يومها لم نعر الحادثة اهتمامًا، فقد كنا صغارًا، ولكنني استحضرتها اليوم، حين شاهدت تعليقات شقيقه التي تنضح بالكراهية، تجاهنا نحن أعداء الوطن، فتساءلت بعمق، أليست هذه الفرصة التي انتظرتها تلك الجوقة طويلًا، لتنشد نشيد الكراهية طوال تلك السنوات.

 

جارنا الذي فقد أخويه في الثمانينات، كان أقسى بحقنا من زميلي السابق، وكانت درجة الوطنية لديه أكبر بكثير، وفي الحقيقة أنه كان قد أجهد نفسه في لعق (البسطار)؛ ليملأ دكانه بالبضاعة في فترة الحصار الاقتصادي، في ثمانينيات القرن الماضي.

 

يأتيني الجواب سريعًا، وأنا أقرأ أسماء ضباط مدرسة المدفعية، هي أسماء مألوفة، سمعتها مرارًا وأنا على مقاعد الدراسة، بعضها كانت لآباء زميلاتي أو أخوتهن، وحتى أزواجهن.

 

لم أكن أعلم ما يجري في الحمدانية قبلًا، كثيرات من زميلات الطفولة حذفنني بعد أيام من إضافتي على فيسبوك، كن صديقات أثيرات لديّ، ولي معهن أطيب الذكريات.

 

كثيرات منهن تواصلت معهن في بدايات الثورة، كن موزعات في بلاد الله الواسعة، ولكنني بدأت أفقد الرغبة في التواصل بعدها، فمدينتي كانت في كوكب لا مجال فيه لأعياد الميلاد وحفلات الشواء.

 

مدينتي كانت تودّع كل يوم شهيدًا، وحين استفقت، اكتشفت أن سكان كوكب الحمدانية، حيث الأحذية العسكرية في الأقدام والنسور على الأكتاف، لم يكونوا ليدركوا أنني انتقلت إلى كوكب إدلب الغارق في الدم، وأن كثيرات من زميلات طفولتنا، ممن تركن الحمدانية، كن يرصعن مواقع التواصل الاجتماعي بصور أزواجهن أو أطفالهن الشهداء.

 

اليوم فحسب، استحضرت صورة إدلب قبل خمس سنوات، يوم عدت من دمشق، وقد شاهدت سبطانات الدبابات مسلطة على حمص، تذكرت مسيرات الولاء للقائد يومها، وتكذيب كل ما يجري على بعد مئتي كيلو متر. الحمدانية أقرب إلى إدلب. ولكن أجنحة الحقيقة في زمن البراميل، تحترق بسرعة، والذاكرة تفقد المقدرة على استحضار الجمال.

 

فالسلطة حين تكون حاضرة؛ تخرس كلّ أصوات المنطق!

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق