هموم ثقافية

الصورة الكامنة خلف الصورة

باتت سورية منذ بدء حرب النظام المجنونة ضد شعبه، وانتهاءً بداعش وأخواتها، في إدارة التوحش، حبيسة صورة نمطية معلّبة ضمن إطار. يقول بعضهم: “سورية لم تعد مفهومة. سورية شديدة التعقيد”. “الحديث عن سورية غارق في الجهل والنمطية والتعميم”.

 

هل هي حقًا كذلك؟ أم أنها تحولت –بفعل فاعل– إلى تلك الصورة التي أرادوا تأطيرها بها؟!

لقد أصبح الحديث الإعلامي عن سورية والسوريين لا يتعدّى خبرًا هنا أو هناك عن عدد القتلى أو المفقودين، أو غرقى قوارب الموت، أو قصص اللاجئين البائسة في بلدان الجوار أو المنافي البعيدة، والأنكى أن المنابر الإعلامية باتت تركز في نقل الخبر السوري على (فوبيا) الإرهاب المتنقل، وكأن السوريين ليسوا ضحايا الاستبداد والإرهاب الذي دمّر حياتهم، وشتتهم في كل بقاع الأرض.

 

السؤال: كيف يمكن اختراق ذلك الإطار الضيّق الذي حوصرت فيه المأساة السورية؟

كيف يمكن التعبير عن الحلم والإيماءات اليومية للناس المحاصرين؟

كيف يمكن إبراز صوت الناس الضعاف في مواجهة الموت والقهر والجوع؟!

لعل ما يدعو إلى الحزن، وأكاد أقول: اليأس، أننا أمام آلة جهنمية، وأياد خفية، وأجندات ومصالح متناقضة لقوى محلية وإقليمية ودولية؛ كلها وجدت في الحدث السوري مجالًا للاستثمار، بعيدًا عن مصالح السوريين وأحلامهم. لا أخلاق في هذه الحرب القذرة التي وجد أصحابها في سورية ملعبًا مفتوحًا، وظفوا فيه الأموال والمليشيات والمنابر الإعلامية ومراكز الأبحاث وصناعة الموت والإرهاب، خدمةً لمصالحهم؛ حيث بات على السوريين وحدهم تحمّل نتائج وأثقال هذا الخراب العميم، الذي لم يشهد العالم مثيلًا له منذ الحرب العالمية الثانية.

 

لا يملك السوريون المخلصون لقضيتهم ومأساة شعبهم -أمام كل هذا العماء الأخلاقي والإنساني- سوى الفن، أداةً لكسر تلك الصورة النمطية التي حوصروا بها. الفن وحده القادر على اختراق ذلك الإطار الضيّق؛ لأنه بحث عن رؤية مختلفة، تضيء الصورة الكامنة خلف الصورة المعلّبة، ولأنه يركز على الجمال في مقاومة الموت والاستبداد والإرهاب.

ربّ قائل يقول: ليس لدى السوريين ترف انتظار (التعبير الفني) بالصورة واللوحة التشكيلية والموسيقا والغناء والمسرح؛ لإيصال صوتهم، أو شرح معاناتهم، أو التعبير عن أشكال موتهم: غرقًا وقصفًا وجوعًا وتهجيرًا، في الداخل والخارج، كي تصبح سورية مفهومة لهذا العالم الذي لا يريد أساسًا فهم تعقيد المشهد السوري ومأساة السوريين. بيد أن المبدعين السوريين لم ينتظروا طرح مثل تلك الأسئلة، حتى يوثقوا -عبر إبداعاتهم- أوجاع شعبهم ومأساة قضيتهم، بل نهض الفن السوري المقاوم، منذ فجر الثورة، وعلى خط مواز لها؛ لكسر تلك الصورة النمطية، والرد على عملية تسليع المآسي البشرية، واختزالها إلى مجرد أرقام. نذكّر بأصابع علي فرزات التي حاول نظام الاستبداد تكسيرها، لأن الفنان حسم خياراته -مع الإرهاصات الأولى للثورة- بوقوفه إلى جانب شعبه، حينما تخلّى -لأول مرة- عن (شيفراته المرمزة)، ووجه سهام كاريكاتيره إلى رأس النظام مباشرةً، دون تورية؛ تمامًا كما فعل لاحقًا بانتقاده الجماعات التكفيرية التي اختطفت الثورة. في ذات الوقت لم تكن رسومات الفنان موفق قات، أقل راديكالية في فضح النظام، وكل تلك الأيادي التي لعبت بمصير ثورة السوريين وقضيتهم. من جهته سارع الموسيقي السوري العالمي مالك جندلي، منذ بداية الثورة إلى تقديم مقطوعات موسيقية، كانت نتاج تفاعله مع الحراك الشعبي على رأسها سيمفونية الحرية (سيمفونية القاشوش)؛ المغني الشعبي الذي اقتلع نظام الاستبداد حنجرته.

 

لقد أفرزت أحداث الثورة السورية فنانين حقيقيين، ووضعت علامات استفهام على مدعّي الفن المزيفين، لأن الفن الحقيقي هو مرآة تعكس الواقع بصدق، على الرغم من أن نمو التيار الإسلاموي التكفيري قد شوّش الصورة في ذهن بعضهم، إلاّ أن الحقيقة ظلت ساطعة عند الأكثرية التي رأت في تحالف الاستبداد والإرهاب الأساس في مأساة السوريين.

 

لقد عبرت أغنية الفنان سميح شقير (يا حيف)، عن لحظة مفصلية مؤلمة، أبكت ملايين السوريين؛ لذلك، سوف تبقى تلك الأغنية ماثلة في قلوبهم، بوصفها وثيقة صادقة، جسدت آلام أطفال درعا والمجزرة التي ارتُكبت بحقهم.

 

حينما يُسدل الستار -بعد حين- على أحداث الثورة السورية، نعتقد أن كل من يريد وثائق حقيقية غير منحازة عن تلك الثورة ستكون مرجعيته الأكثر مصداقية، هي الأعمال الفنية التي عبرت عن نبض البشر وآلامهم في هذه الثورة: رسومات الغرافيكي، واللوحات التشكيلية، والأعمال الدرامية والموسيقية، والأفلام الوثائقية، والمسرح والسينما والأعمال الأدبية…إلخ

لقد دفن الفنان عاصم الباشا منحوتاته في يبرود، قبل أن يغادر سورية. خبأها –كما يقول – ككنز ليوم ما، أو كي يحميها من القصف. مثل تلك الأعمال المدفونة، ستكون الشاهد والوثيقة على جحيم السوريين. يقول الباشا: وجدت نفسي، وبصورة عفوية، أعود إلى التمثيل (الفيغوراتيف) ومن بين أعمالي بالحجر: الضيق، والشهيدة، والمعتقل، والطريق إلى باب عمرو، وبانتظار البراميل، وغيرها.

 

ثمة وثيقة أخرى في مجال الأدب، على سبيل المثال لا الحصر، هي كتاب (حكايات سورية لها علاقة بالاستبداد) شارك في كتابتها ثلاثون كاتبًا سوريًا، وهي كما يقول محرّر الكتاب، خطيب بدلة: “ملحمة، أو مسرودة أدبية بارعة، بطلها الشعب السوري”. سوف يجد الباحث عن الحقيقة في تلك الوثيقة ومثيلاتها، الأسباب الفعلية المتراكمة، خلال خمسين عامًا من القهر والإذلال. تلك الأسباب، هي الصورة الصارخة الكامنة خلف الصورة النمطية الظاهرة للأحداث.

 

من يريد البحث عن الحقيقة، عليه إضاءة دور الفنون بأشكالها التعبيرية المختلفة؛ لأنها تتجاوز (الإطار الضيّق) للمأساة السورية، التي تمّ تنميطها في وسائل الاعلام، واختراق هذا العماء الأخلاقي والإنساني، الذي اختزل ثورة شعب إلى مجرد أرقام للموت والتهجير واللجوء.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق