تحقيقات وتقارير سياسية

أهالي جيرود يُخرِجون الفصائل المقاتلة ويخشون غدر النظام

شكل يوم 2 تموز/ يوليو 2016 علامة فارقة عند أهل مدينة جيرود الواقعة في القلمون بريف دمشق، عندما رد النظام السوري على قتل جبهة النصرة لأحد طياريه في المنطقة، بقصف مكثف على المدينة، ذهب ضحيته نحو 45 قتيلًا، وأكثر من مئة جريح.

مدينة جيرود تعيش حالة هدنة غيرَ مُعلنة، بين النظام والفصائل المقاتلة فيها (جيش الإسلام، المجلس العسكري، كتائب أحمد العبدو، أحرار الشام، وجبهة النصرة)، منذ نحو أربع سنوات، وذلك لأسباب كثيرة، أهمها حماية خط الغاز المغذي لمحطات توليد الطاقة الكهربائية في المنطقة الجنوبية، والذي يمر عند أطراف المدينة.

 

فصائل غير متجانسة ونظام يلعب على الخلافات

يسكن المدينة نحو 70 ألف نسمة، بينهم قرابة 20 ألف نازح، من مختلف المناطق الساخنة القريبة منها كحمص والضمير ويبرود، ويقول زيد، وهو ناشط مدني مقيم في المدينة، لـ (جيرون): إن “المظهر المسلح في المدينة لم يكن خيار أهلها، فقد تجمع كثير من الفصائل في المدينة، عبر بعض المدنيين الذين هيّئوا لها الطريق، ومنذ بداية ظهورهم، وهم على صدام مع أهل المدينة الذين أرادوا للمدينة أن تكون ملجأً من بطش الأسد، خصوصًا أن كل المدن المحيطة بها ليست آمنة فعليًا”.

 

على الرغم من وجود هذه الفصائل، إلا أن النظام فضّل أن يُهادن المدينة؛ لأهميتها الاستراتيجية بالنسبة له، عسكريًا وخدميًا؛ فهي ممره إلى الناصرية التي تحوي مطارًا عسكريًا له، وطريقه الفرعي نحو يبرود والنبك أيضًا، فضلًا عن كونها بجانب محطة توليد كهرباء، وخط الغاز الذي يغذي المحطات الجنوبية.

وبحسب كثيرين، استطلعت آراءهم (جيرون)، فإن الفصائل الموجودة في المدينة تعاني من خلافات حادة فيما بينها، من حيث المنهج والتخطيط، وحصل صدام أكثر من مرة بين بعضها بعضًا، وفي هذا السياق قال زيد، المقيم في المدينة: إن “الفصائل ليست متفقة أبدًا، وبحسب ما يصلنا من أخبار فإن الخلافات  بينها تعود إلى مرجعية الفصائل المختلفة، النصرة -مثلًا- تُكفر المجلس العسكري، وجيش الإسلام لا يرتبط بالنصرة وأحرار الشام بعلاقة وثيقة”.

ورأى أن الخلافات بين الفصائل “أعطت النظام مساحة كبيرة؛ ليستغل المشهد ويتصدره، حيث يقوم في كثير من الأحيان بخلق حجج واهية ليحاصر المدينة كليًا ويقصفها، كما حدث في السابع من نيسان/أبريل عام 2013، وفي يوم عشرين نيسان/ أبريل من عام 2014”.

 

سرمد، 27 عامًا، يعمل ناشطًا إغاثيًا في المدينة قال لـ (جيرون): إن “قائد اللواء عشرين السابق، كان يستغل كل رصاصة تخرج في سماء المدينة، فيقوم بقصف المدنيين، ويقول لهم: كل ذلك بسبب المسلحين”، وأكد على أن هذه الحال بقيت مستمرة إلى أن وقعت حادثة مقتل الطيار على يد أحد عناصر النصرة، والتي كلفت المدنيين أكثر من 45 قتيلًا، وعشرات الجرحى.

 

 

مدينة كاملة تدفع ثمن جريمة فردية

أعلن جيش الإسلام في الأول من تموز/ يوليو 2016، عن إسقاطه طائرة تابعة للنظام في منطقة القلمون، وأسره للطيار نورس الحسن. ويقول عامر، أحد أبناء المدينة، المتابع لما حدث يومها: “إن حادثة إسقاط الطائرة كانت علامة فارقة في تاريخ المدينة”، وأوضح: “لقد اختلف جيش الإسلام وجبهة النصرة في مكان وقوع الطائرة على من له الحق في أخذ الطيار، وهو ما شكّل بداية الخلاف الذي انتهى بمقتل الطيار”.

 

وقال: إن جيش الإسلام “اقتاد الطيار إلى كتيبة أمنية مشتركة بين الفصائل بالقرب من المدينة، حيث تم استجوابه، ونُشر فيديو مسجل عبر شبكات التواصل الاجتماعي حوله، وفي الغالب كانت كل الآراء هناك تميل نحو التفاوض مع النظام لتسليمه الطيار”.

 

إلا أن جبهة النصرة كانت ترى وجوب قتل الطيار عقابًا له على قصف المدنيين، وبحسب عامر، فإن النظام “كان جادًا في التفاوض عليه، ووَصلَنا أنه عرض إطلاق سراح جميع المعتقلين من أبناء المدينة مقابل الطيار، لكن أحد أفراد النصرة قام بإعدامه داخل الكتيبة الأمنية، دون الرجوع إلى رأي الجماعة، وهنا بدأت الكارثة”.

حاصر النظام المدينة ليلًا، ومع طلوع فجر 2 تموز/ يوليو، أمطرها بأكثر من 35 غارة جوية انتقامًا لمقتل الطيار، أوقعت نحو 45 قتيلًا، وأكثر من مئة جريح، في حين أكد لنا بعض أبناء المدينة أن الدمار في الأبنية السكنية كان هائلًا، “وكأنه كان يقصفنا بصواريخ فراغية”.

 

سرعان ما بدأ وجهاء المدينة اتصالاتهم مع ممثلين عن النظام، يطلبون وقفًا للقصف ودراسة صيغة تفاهمية معه، وفعلًا استجاب النظام وأعطى المدنيين مهلة ساعتين؛ للبدء بإخراج كل الفصائل من داخل المدينة، في حين بدأت قواته تتجمع عند أطراف جيرود؛ تحضيرًا لاقتحامها بالكامل، وشن حملة اعتقالات واسعة داخلها.

 

وفي هذا السياق، قال عامر: “لقد تيقّن المدنيون أن هذه المرة، لن يقبل النظام التفاوض والحوار، خصوصًا أننا علمنا بأن أمر اقتحام المدينة، جاء من وزير الدفاع شخصيًا، وقد عقد وجهاء المدينة اجتماعًا وقرروا أن يطلبوا من الفصائل مغادرة المدينة فورًا حقنًا للدماء”، وأكد أن قرار إخراج الفصائل من المدينة، “لم يكن خيار المجتمعين فحسب، بل خيار غالبية المدنيين في جيرود، ولا سيما أنهم عانوا كثيرًا من بطش هذه الفصائل وتناحرها البيني، كما أن تدخلاتهم في شؤون المدنيين ولباسهم بات أمرًا لا يُحتمل”.

 

وبالفعل، خرجت مظاهرة ليلية طالبت كل الفصائل بالخروج من المدينة، وتركها لأهلها ليديروا شؤونها، “الفصائل لم تمتلك إلا خيار الخروج، لأنها لمست جدية المدنيين في طردهم، وعلمت تمامًا أن النظام سيدخل المدينة فجر اليوم التالي بكل قوته” وفق زيد.

خيّم الهدوء من جديد على المدينة صباح اليوم التالي، ليبدأ أهلها بإعادة ترتيب شوارعها التي دُمِّرت، ومعالجة الجرحى، وسط مخاوف عميقة من اتخاذ النظام المنتقم قرارًا جديدًا بقصف المدينة.

ويبقى مستقبل المدينة في الوقت الراهن غير معروف، فلا أحد يعلم إن كانت الفصائل ستعود إلى المدينة بزخمها مرة أخرى، أم أن النظام سيخلِف وعده مجددًا ويدخلها  بنفسه، ويمضي السكان أيامهم بحذر، متخوفين من أي حادثة جديدة، قد تودي بأرواحهم إلى التهلكة.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق