أدب وفنون

لعبة الأمم في الداخل السوري والحفاظ على قواعد التوازن

تخضع اللعبة الدولية والإقليمية في سورية لتوازنات وتحالفات داخلية وخارجية، ثابتة على الأرض، وثابتة -أيضًا- على طاولة المفاوضات، وحدوث أي اختراق في إحداها، يعني تداعي القوى المتضررة؛ لجبر الضرر الحاصل، وهذا ما حصل سابقًا، ويحصل حاليًا، في معركة حلب الأخيرة.

 

منذ بداية الصراع المسلح في سورية، كان ميزان القوى يتأرجح بين كفة وأخرى كل شهرين أو ثلاثة، على أغلب تقدير، وكلّما استطاع الجيش الحر (تحرير) مناطق، ووضعها تحت سيطرته، تتداعى القوى الحليفة للنظام السوري على مدّه بالسلاح والعتاد اللازمين؛ ليستطيع استعادة ما خسره بدعوى (التطهير)، وهكذا دواليك، الدوران في دائرة مفرغة لا نهاية لها، ولم يقتصر الأمر -طبعًا- على المال والسلاح، بل تعدّاهما إلى حملات تجنيد، برع كل جانب فيها؛ لتسويق وتبرير حاجته للقوة البشرية، و كان لتوظيف الدين والإعلام الأثر الأكبر في تحقيق ذلك.

 

كان عنوان الحرب دعم المعارضة السورية لخلق توازن على الأرض، لهذا، فإن ما فعلته روسيا وإيران، حين أُدخل حزب الله في معركة القصير وما بعدها، يأتي في سياق الحفاظ على درجة من قوة النظام، بحيث لا تطغى قوة المعارضة؛ إذ كان من غير المسموح به أن ينتصر جانب على آخر.

 

وعندما عمدت المملكة العربية السعودية بداية عام 2015، بقيادتها الجديدة، إلى دعم هذا التوازن بالتعاون مع الحكومة التركية وقطر فعملت على توحيد فصائل المعارضة في الشمال السوري، تحت قيادة عسكرية واحدة في جيش الفتح (جبهة النصرة وأحرار الشام وجند الأقصى وأجناد الشام وفصائل أخرى)، ما أدى إلى السيطرة -بشكل كامل- على مدينة إدلب وريفها، ثم الزحف غربًا نحو الساحل السوري؛ للسيطرة على الريف الشمالي من محافظة اللاذقية، إضافة إلى توغل مقاتلي المعارضة في قرى وبلدات ريف حماه الغربي، استدعى هذا التحوّل تدخّل الطيران الحربي الروسي؛ لرأب الصدع، مؤذناً ببداية مرحلة جديدة من الصراع داخل سورية، فبعد أن كان القتال يدور بالوكالة، أصبح انخراط جيوش القوى الكبرى واضحًا، بعناصرها وطائراتها، بذريعة مكافحة الإرهاب ومُحاربة الدولة الإسلامية.

 

صحيح أن القوى الكبرى، كانت قد أعلنت أنها اتفقت على الحل السياسي للأزمة السورية، من خلال تطبيق مقررات جنيف1 ، ثم عدّلتها مجتمعة في اجتماع فيينا 3، لكن باءت -في النهاية- كل مفاوضات الحل السياسي بالفشل، في ظل تعنّت كل جانب وتمسّكه بما يملك على الأرض.

 

وفيما يتعلق بالتعاون والتنسيق الأميركي – الروسي في سورية، يُعتقد أنه وصل إلى أحسن حالاته، لكنه عمليًا لم يتجلَّ إلا في دائرة مكافحة الإرهاب، ودعم الجانبين كليهما لميليشيا “قوات سورية الديمقراطية” ومساندتها؛ لطرد تنظيم الدولة الإسلامية، وجبهة النصرة، من منطقة الجزيرة السورية والشريط الحدودي التركي السوري.

 

بالمحصلة، يبدو أن التوازن في سورية سيد الموقف، على الرغم من محاولات عديدة لكسره أو اختراقه، وما فكرة روسيا حول تطويق الجزء الواقع تحت سيطرة المعارضة في مدينة حلب، من جهة الشمال، وقطع طرق إمدادها إلا جزءٌ من تلك المحاولات لا أكثر.

 

كان من المستحيل على قوات النظام السوري الوصول شمالًا إلى مدينة حلب، أو ريفها الشمالي قبل الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا، وقد حاولت روسيا فعل ذلك عبر ميليشيا قوات سورية الديمقراطية لكنها فشلت.

 

يبدو أن التقارب بين روسيا وتركيا المجروحة من “غدر الأصدقاء”، كما قال الرئيس رجب طيب أردوغان، جعل الفرصة مواتية لتحريك قوات النظام السوري، ومن معه من قوات رديفة، تحت غطاء روسي كثيف؛ لمحاصرة المعارضة السورية، في مناطق سيطرتها داخل حلب، وقطع الطريق الوحيد لإمدادها، لكن في الوقت نفسه، هدد وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، بإنهاء التعاون مع روسيا بشأن سورية، في حال كانت “العملية الإنسانية” في حلب خدعة.

 

توالت المؤشرات المتناقضة، فقد أبلغت الخارجية السورية معاون الوسيط الدولي، ستيفان ديمستورا، استعدادها للدخول في مفاوضات مع المعارضة السورية في جنيف، نهاية آب/ أغسطس الحالي، دون شروط مسبقة، كما أصدر الأسد مرسومًا، يعفي كل من حمل السلاح من العقوبة، إذا بادر إلى تسليم نفسه خلال ثلاثة أشهر، في المقابل تم إعادة تشكيل جيش الفتح بسرعة، تحت قيادة (جبهة فتح الشام)؛ ليتوجه نحو جنوب حلب، بدلًا من شمالها؛ لتطويق قوات النظام، لا لفك الحصار فحسب، وهي الخطوة التي أعادت التوازن على الأرض من جديد، بل هددت بقلبه لصالح المعارضة، وهذا كله يدل على أن المطلوب هو المحافظة على حالة التوازن لا كسرها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق