تحقيقات وتقارير سياسية

معركة الاستراتيجيات الكبرى التناطح الأميركي الروسي في حلب

كشفت المعركة الدائرة في مدينة حلب، عن التداخل الكبير بين المصالح الأميركية والغربية من جهة، والمصالح الروسية والإيرانية من جهة أخرى، ففي الوقت الذي يُحرز فيه الثوار مكاسب مهمة على الأرض، تبدو موسكو وواشنطن غير سعيدتين بهذا التقدم الكبير للمعارضة السورية المسلحة، وتعملان من أجل إبقاء الحرب سجالًا بين النظام والثوار؛ لإقناعهما بأن الحسم العسكري غير ممكن، وأن الحل السياسي هو المتاح.

 

وإذا كانت الاستراتيجية الروسية تتميز بشيء من الوضوح، في دعمها الثابت لنظام بشار الأسد، والقتال إلى جانبه، فإن الاستراتيجية الأميركية في سورية تُعاني حالة من التخبط والفوضى، الأمر الذي دفع صحيفة (فايننشال تايمز) إلى انتقاد “صمت الولايات المتحدة الذي وصفته بالمثير للصدمة، وعدم الفاعلية في مواجهة جرائم الحرب التي يرتكبها نظام الأسد في حلب”، ورأت أن “افتقار الزعماء الأميركيين وقادة أوروبا إلى المبادرة نوعًا من الرضوخ”، وقالت: “إن معركة حلب بلغت مرحلة حرجة، وما ستفضي إليه في الأيام المقبلة ينذر بمخاطر جسيمة تنتظر المدينة، فإذا سقطت حلب في قبضة الأسد، ستُحرم قوات المعارضة المعتدلة من آخر معقل استراتيجي لها، ويُحتمل أن يُطلق ذلك مرحلة نهائية مريرة للثورة التي بدأت عام 2011”. وأشارت إلى ضياع البوصلة الأميركية في سورية، قائلة: إن واشنطن “لا تُفرّق بين الثوار المعتدلين والمتطرفين”.

 

وعلى غرار (الفايننشال تايمز)، وصفت صحيفة (الغارديان) البريطانية ما يجري في حلب بأنه “فشل آخر للغرب يلوح في سورية”. ونوّهت إلى أنه “إذا سقطت المناطق الشرقية للمدينة في قبضة نظام الأسد، فمن المرجح أن تتغير المعادلة الدبلوماسية في الشرق الأوسط بالكامل، لصالح روسيا وحلفائها، بما فيهم إيران، وقالت: “إن التدخل العسكري الصريح لروسيا أخرج المسار الدبلوماسي عن طريقه، كما أن إيران استفادت من غياب أي احتجاجات غربية قوية ضد أعمالها في سورية، بغض النظر عن عدد القتلى”، وأكدت “أن السياسات الغربية فشلت في سورية؛ لأنها اعتمدت على أوهام بأن روسيا ستصبح متعاونة، بدلًا من هدفها لتحقيق انتصار عسكري شامل لحليفها الأسد”.

 

شبهت صحيفة (التايمز) الحصار المروع الذي تعيشه مدينة حلب السورية بأنه “سراييفو القرن الحادي والعشرين” وقالت: إن الغرب يتجاهله، وحذّرت من ضياع المدينة، بسبب الشلل الذي أصاب القيادة في الولايات المتحدة، ورأت أنه عندما يفيق الغرب، سيكون الوقت قد فات؛ لأن المدينة ستصير خاوية على عروشها، أو سوّيت بالأرض، وقالت: “مهما كانت النتيجة، فإنها ستكون انتصارًا للقيادة الروسية، لأن هذا سيعني أن بشار الأسد يمسك بمقاليد السلطة في سورية، وأنها أمنت موطئ قدم لها في الشرق الأوسط، ومهما كانت النتيجة، فهي إهانة للغرب، ونتيجة لسنوات من الانهزامية”. وقالت الصحيفة: “إن مستقبل سورية معلق بحلب، وأن روسيا تدرك ذلك؛ ولهذا وفرت الغطاء الجوي والمعلومات الاستخبارية التي يحتاجها الأسد، لسحق المعارضة هناك”.

 

كذلك انتقدت صحيفة (الواشنطن بوست) صمت واشنطن على استخدام الأسلحة الكيماوية ضد المدنيين، وقالت: “إن قرار الرئيس أوباما بعدم الثأر من الأسد لاستخدامه السلاح الكيمياوي عام 2013، صار نهجًا مستمرًا، وأن هذه السياسة باتت (رمزًا) لسياسته الخارجية التي يرى منتقدوه أنها تفتقر إلى الفاعلية الكافية في سورية ومناطق أخرى”.

 

وكانت الجمعية الطبية السورية الأميركية قد نشرت، في آذار/ مارس الماضي، تقريرًا أكدت فيه أن الأسلحة الكيمياوية “استُخدمت 161 مرة في سورية خلال السنوات الخمس الماضية؛ ما أدى إلى وفاة أكثر من 1500 شخص، وإصابة أكثر 14 ألفًا و500 شخص”.

 

لكن، وعلى الرغم من التخبط الأميركي في سورية، فقد كشف وزير خارجيتها، جون كيري، أن “مباحثات عسكرية جرت بين واشنطن وموسكو بشأن العمليات في سورية “، وأعلن البيت الأبيض “أن مسؤولي دفاع روس وأميركيين أجروا مباحثات؛ بهدف منع سوء الفهم بين قوات بلديهما اللذين ينفذان غارات جوية في سورية، وتركزت المباحثات بين الجانبين على ضمان تنفيذ القوات الروسية مهماتها في إطار اللوائح الدولية، واستخدام قنوات الاتصال المعترف بها دوليًا”. وقال المتحدث باسم البيت الأبيض: إن المحادثات ستستمر، وأوضح أنه لا يستبعد أن يكون هناك تعاون محتمل بشأن أهداف في المستقبل.

 

من جهته، وفي أوضح تصريح من نوعه، قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين: إن بلاده تنسق تحركاتها في سورية مع المخابرات ووزارة الدفاع الأميركية. وسخر من قتل أبرياء، فقال: “إن مزاعم سقوط قتلى مدنيين في ضربات جوية روسية في سورية، لايعدو عن كونه هجومًا إعلاميًا”.

 

وعبَّر وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، عن (الشراكة العسكرية – الأمريكية) في سورية، وقال: “إن روسيا تستهدف تنظيم الدولة والنصرة والجماعات الإرهابية الأخرى، وهي الأهداف نفسها التي تستهدفها الولايات المتحدة في سورية”. ودافعت واشنطن عن الشراكة الاستراتيجية الروسية الأميركية في سورية بالقول: “إن استهداف الطائرات الروسية للمعارضة السورية المعتدلة، ليس أكثر من سوء تقدير خطر”، ورأت أنه لا يوجد سبب للتشكيك في القوات الروسية على ضرب الأهداف التي تريد ضربها، وهي شراكة، فسرها المتحدث السابق باسم وزارة الخارجية الأميركية، بي. جي كراولي، بقوله: “إن لروسيا مصالحها وللولايات المتحدة مصالحها، وإن الخلاف بين الطرفين يدور حول مصير الأسد”، وأن القرار الأميركي في سورية هو “عدم التدخل بشكل انفرادي؛ لأنها استفادت مما حدث في العراق”.

 

في المحصلة، تبدو الاستراتيجية الأميركية في سورية مُحيّرة وغامضة، خاصة في ما يتعلق باستخدام الأسلحة الكيماوية، والموقف من نظام الأسد، وتهاوي (الخطوط الحمراء) بشكل دائم، وافتقار الرئيس أوباما إلى الوضوح والرؤية والجرأة في سورية، وهي استراتيجية، دفعت بعض المحللين إلى الإقرار بالتفوق السياسي والعسكري الروسي في سورية، والقول إن الحسابات الروسية الاستراتيجية في سورية أكثر علمية ودقة من الحسابات الغربية؛ ما يجعل الأوضاع مهيئة؛ لكي تحكم موسكو قبضتها على الملف السوري بالكامل.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق