تحقيقات وتقارير سياسية

روسيا التي تزاود على السوريين بوطنهم

لم تتردد القيادة الروسية في دعمها الصريح للنظام السوري، بعناوين وذرائع فيها الكثير من المزاودة على السوريين، وخاصة حين تدّعي حرصها على مؤسسات الدولة، والحفاظ عليها من الانهيار، متجاهلة أن هذه البلاد هي من أسس القوانين، واستزرع الأرض، وصنّع الأدوات التي استعملها الإنسان؛ ليطور حياته، ومتجاهلة أنها عندما تتكلم عن سورية، فهذا يعني الحديث عن أول أبجدية، وأول عاصمة مأهولة، وهي دمشق.

 

بعد إسقاط المروحية الروسية بداية آب/ أغسطس الحالي، ومقتل طاقمها مع ضابطين آخرين كانا على متنها، زعمت روسيا أن تلك المروحية كانت في مهمة إنسانية، وأن الضابطين تابعين لـ (مركز المصالحة الروسية)، كما نقلت وكالة (إنترفاكس) الروسية، لكن المفارقة أن المركز المذكور، الموجود في قاعدة عسكرية جوية، هي مطار حميميم في جبلة، يُذكّرنا بما أسسه النظام السوري باسم وزارة المصالحة الوطنية في عام 2012، فأي مصالحة حربية التي ينشدونها!

 

روسيا والنظام شريكان في العدوان على الشعب السوري

يبرر الروس قصفهم للمدن والبلدات، بما فيها المستشفيات والمرافق الحيوية الأخرى، بذريعة محاربتهم للإرهاب، ويحاولون إقناع العالم أن هذه الذريعة كافية لتمرير كل الجرائم من خلالها، تمامًا كما يفعل النظام، إذ دمّر سورية وشرّد الملايين وقتل مئات الآلاف وهو يدّعي أنه يحاول تخليص سورية من الإرهاب، وهكذا عدّت روسيا -على سبيل المثال- أن إسقاط مروحيتها العسكرية في ريف إدلب عملًا إرهابيًا، لكن لم نفهم تحت أي قرار أو قانون تتجول مروحية عسكرية، تحمل ضباطًا في أجواء بلد آخر، ولم تُقدم روسيا -حتى الآن- أي معلومات عن المهمّة الإنسانية التي كانت المروحية تقوم بها، على الرغم من أن الصور الملتقطة للطائرة بعد تحطّمها، كانت واضحة، وتفيد بأنها كانت مزوّدة بأسلحة وذخيرة.

 

في إطار الحرب التي تشنّها روسيا على الشعب السوري، استطاع طيرانها إخراج عدة مستشفيات من الخدمة، وكذلك تم استهداف شاحنات، تنقل خضروات وطحينًا في ريف حلب وقرب المعابر، أكثر من مرة، وأخيرًا ساهم الطيران الروسي بشكل فعّال، وعلى مدار الساعة، في مساعدة قوات النظام، وميليشيات المرتزقة الداعمة له، في حصار حلب، وقطع طريق الكاستيلو، وروسيا تعلم أنه لولا طيرانها لما تم حصار حلب والاستيلاء على هذا الطريق المهم لربط المناطق المحررة في الريف والمدينة؛ وعلى هذا، فإن إطلاق الثوار معركة فك الحصار عن مدينة حلب، وإحرازهم تقدمًا سريعًا في الساعات التي سبقت إسقاط الطائرة، يعيد الذاكرة إلى ما أعلنه وزير الدفاع الروسي، سيرجي شويجو، في 28 تموز/ يوليو الماضي عن فتح 4 ممرات آمنة للخروج من حلب، ثلاثة منها للمدنيين، باتجاه مناطق سيطرة النظام، وواحد للمقاتلين باتجاه كاستيلو، زاعمًا أن الجيش الروسي -بالتعاون مع قوات النظام- سيبدآن عملية، وصفها بالإنسانية، على نطاق كبير في حلب لمساعدة السكان، لكن مجلس المدينة، مع فصائل الثوار، قد نفيا حينها أن تكون الممرات أو المعابر الإنسانية قد فُتحت بشكل آمن، وحذرا السكان من خطر الاقتراب من تلك المعابر؛ لوجود قناصين يراقبون الممرات، ويطلقون النار على كل شيء يتحرك.

 

كان واضحًا حتى الرد من فرنسا وبريطانيا على الموقف الروسي بقرار فتح المعابر، حيث طالبتاها بالحفاظ على المدنيين في بيوتهم، وعدم تهديدهم أو ترحيلهم، ووجوب تأمين حمايتهم، إضافة إلى ذلك قالت الخارجية الأميركية: إن خطط روسيا في حلب قد تعرقل الاتفاقات الروسية الأميركية بشأن سورية، وعلى هذا، فإن تدخل روسيا في سورية ليس لغايات إنسانية كما تدّعي، أو لمحاربة الإرهاب، وإنما لمحاصرة المدنيين وتجويعهم وقتلهم بأسلحة متطورة، وقد تم توثيق تلك الجرائم من قبل عدة هيئات، مع فيديوهات تم عرضها على الرأي العام، ومنها استخدام الفوسفور الأبيض والقنابل العنقودية؛ وبذلك، فإن النظام الروسي جاء -بطيرانه- للقتال وليس لغايات إنسانية، وما فعله ممكن رفعه إلى المحاكم الدولية تحت بند جرائم حرب ضد المدنيين، كما شريكه النظام السوري.

 

خسائر روسيا في سورية هل ستجعلها تغير حساباتها

أعلنت روسيا، في 30 أيلول/ سبتمبر، عن تدخلها المباشر في سورية؛ بحجة محاربة تنظيم الدولة (داعش)، وقد شكل طيرانها غطاء جويًا مهمًا لقوات النظام، في كل من ريفي اللاذقية بجبلي التركمان والأكراد، وكذلك بريف إدلب؛ حيث لا يوجد في كل تلك المناطق أي وجود لتنظيم الدولة (داعش)، وأيضًا لا يوجد التنظيم في المناطق التي استهدفها الطيران الروسي -بشكل مكثف- خلال الأشهر الماضية بريف حلب، فعمدت روسيا إلى الزعم بأن هنالك فصائل أخرى متطرفة، ومنها جبهة النصرة، بل تعدّ روسيا الفصائل التي تقاتل النظام لإسقاطه كلها متطرفة.

 

إن التناقضات التي تصدر عن الروس بحساب أنفسهم -أحيانًا- شركاء في رعاية المفاوضات السورية، التي جاءت نتيجة لقاءات فيينا، والمستندة إلى بيان جنيف 1، لنجدهم يشاركون في العدوان على مدن آمنة، ولا يأبهون لحياة الناس، هذه التناقضات لا تعطي مؤشرات عن نوايا إيجابية، يُشار إلى أن الرئيس الروسي بوتين أعلن عن بدء انسحاب القوات الروسية من سورية، في آذار/ مارس الماضي، وحينها قابله السوريون بالتشكيك بصحّة وجديّة هذا القرار، وهو ما بدا واضحًا فيما بعد، حيث لم يتغيّر شيء، على مستوى وحجم العمليات العسكرية للطيران الروسي، بل سُجّلت زيادة في معدّل الطلعات من قبل مراصد الثوار، وخاصة فوق حلب.

 

إسقاط المروحية الروسية الأخير، ومقتل طاقمها، سيعيد إلى الواجهة الحديث عن الخسائر العسكرية الروسية منذ تدخلها في سورية، فقد أُعلن عن إصابة مروحية فوق تير معلّة بريف حمص، في تشرين الأول/ أكتوبر 2015، ثم أسقطت المقاتلات التركية على الحدود طائرة حربية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2015، وحينها أعلن الثوار عن إسقاط مروحية كانت تقوم بالبحث عن الطيارين الروسيين، اللذين فُقدا بسقوط تلك الطائرة، بعد ذلك أعلنت وسائل إعلام غربية مختلفة عن هجوم لتنظيم الدولة (داعش) على قاعدة عسكرية روسية، في قاعدة التيفور قرب مدينة تدمر، وتدمير أربع مروحيات وعشرين شاحنة، وتضرُّر طائرة من نوع ميغ 25؛ ليعلن التنظيم في أيار/ مايو 2016 تبنيه لهذا الهجوم، وفي حزيران/ يونيو الفائت، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن (داعش) أسقط مروحية في ريف تدمر من طراز مي – 25، وقد قُتل طاقمها. إضافة إلى إعلان روسي عن فقدان أكثر من ضابط، في أوضاع مختلفة، منهم المستشار العسكري الروسي، إيفان تشيريميسين، في شباط/ فبراير 2016، عند سقوط صواريخ على قاعدة عسكرية بحمص، وأيضًا عن انتحار الخبير، فاديمكو ستنكو، في قاعدة حميمم باللاذقية بتشرين الأول/ أكتوبر 2015، إضافة إلى مقتل عدد من الجنود في حالات مختلفة.

 

من المرجح أن إسقاط المروحية ومقتل طاقمها مع ضابطين، وبقاء الجثامين بيد فصائل المعارضة، بالتزامن مع معركة فك الحصار عن حلب، سيكون ورقة ضغط إضافية، لها أثرها في أي تفاوض لتثبيت الهدن على الأرض، كمقدمة للانتقال إلى حل سياسي، إن كان المجتمع الدولي جادًا في ذلك، فهل ستذهب موسكو في هذا الاتجاه من خلال قراءة المشهد بطريقة جديدة بعد تراكم خسائرها؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق