سورية الآن

اعتدال روحاني يتجسد مشانقَ مرعبة

عطش حقيقي لاقتلاع أرواح المعارضين، فلا صوت يعلو فوق صوت المشانق في بلد (الممانعة)، الذي يرى في الاثنيات والأعراق والطوائف الأخرى صيدًا (حلالًا) للمحافظين والإصلاحيين على حد سواء، فعلى ما يبدو أن المشانق تُمهّد لـ “طريق القدس”، المار ليس عبر تعز وحلب فحسب، وإنما فوق جثث معارضي النظام الإيراني!

 

شهرام أحمدي، ناشط “إيراني كردي سنّي”، تم إعدامه في موجة الإعدامات الجديدة، قال في آخر فيديو مسرّب من سجنه: “أتحدى السلطات أن تأتي بأولياء دم المقتول، أو المقتولين، على يدي، حينها أقبل بالحكم الصادر ضدي”، مؤكدًا أن السلطات لا تستطيع أن تثبت أنه مارس العنف، بل كان يمارس الدعوة، بعيدًا عن السلاح” على حد قوله، وأضاف: “بعد مرور أكثر من 40 شهرًا على اعتقالي، حوكمت في جلسة لم تستمر سوى بضع دقائق، دون السماح لي بالدفاع عن نفسي، ودون أن يسمحوا لمحامي الدفاع أن يقوم بذلك، وفي عام 2012، نفذوا حكم الإعدام في شقيقي الذي كان تحت الـ 18 عامًا حين اعتقاله”.

 

ولفت إلى التأثير الطائفي على الحكم، وقال “كان القاضي، محمد مقيسة، طوال فترة المحاكمة، يهين المقدسات والرموز (السنّية)، شاتمًا الأكراد، وكان يقول لي: (أنت تواجه ثلاثة اتهامات، الأول أنك كردي، والثاني أنك سنّي، والثالث أنك ضد النظام، وأي من هذه الاتهامات يكفي لإصدار حكم الإعدام بحقك”.

وشهرام هو أحد العشرين الذين غدرت بهم حبال مشنقة النظام الإيراني؛ لينضموا إلى مجموعة تتجاوز الألفي شخص أعدمهم (الإصلاحي) روحاني، منذ توليه الحكم عام 2013، حيث تفاءل العالم بهذا الرئيس الذي جاء بعد أحمدي نجاد المحافظ.

 

في هذا الخصوص، كشف سياسيون وحقوقيون دوليون أن عدد الإعدامات في عهد روحاني، فاقت مثيلاتها خلال 25 عامًا الماضية، معربين عن خشيتهم من استمرار هذا التوجه، مع علمهم بوجود آلاف آخرين ينتظرون الإعدام.

وأكدت منظمة العفو الدولية على لسان سعيد بومدوحة، نائب مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أن عدد الإعدامات تضاعف مرتين في عهد روحاني، عما كان عليه في عهد سلفه محمود أحمدي نجاد.

 

مجلس المقاومة الإيرانية، أشار إلى أن النظام الإيراني يتعمد تنفيذ أحكام الإعدام، بالتزامن مع زيارات المسؤولين الدوليين، فعشية زيارة كل من رئيس الوزراء الإيطالي، ومسؤولة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، أُعدم طالب جامعي، وبعد 4 أيام، قام النظام بإعدام 14 شخصًا آخرين، بالتزامن مع الزيارات الدبلوماسية للمسؤولين الأوروبيين إلى طهران، مؤكدًا أن عدد حالات الإعدام في فترة رئاسة روحاني، بلغ قرابة 2300 شخص.

 

بدأت موجة الإعدامات في التاسع عشر من تموز/ يوليو سنة 1988، بفتوى من الخميني الذي قسّم معارضيه ما بين مرتدين عن الإسلام ومحاربين لله؛ الأمر الذي دفع ثمنه ما يقارب الثلاثين ألف إنسان، أعدموا دون وجه عدالة، ولم يكن ذنبهم سوى أنهم عارضو نظام (الملالي).

 

تطال معظم الإعدامات الناشطين من العرب والأكراد والبلوشيين، وباقي الأقليات التي لا تنتسب إلى القومية الفارسية، حيث تُعاني تلك الأقليات من اضطهاد وتهميش كبيرين، الأمر الذي دفعها للاحتجاج والعمل على رفع الظلم عنها، لكن النظام الإيراني وقبضته الأمنية، قابل دائمًا تلك الاحتجاجات بوحشية مفرطة، وما حدث في صيف عام 2009، خير شاهد على ذلك، حين اندلعت المظاهرات إثر النتائج (المزورة) للانتخابات (شارك في هذه المظاهرات ما يقرب من مليوني شخص في طهران وحدها)، وعدت السلطات الإيرانية -آنذاك- أن ما يجري “محاولة استعمارية” تريد زعزعة نظام معادٍ للإمبريالية.

 

وتشهد الساحة الإيرانية الداخلية احتقانًا؛ نتيجة السياسات التي يتبعها النظام الإيراني، والمبنية على تسخير جميع موارد الدولة لخدمة نظرية “ولاية الفقيه” في تصدير الثورة، وما ينتج عنها من استنزاف مليارات الدولارات من مقدرات هذا البلد، من خلال الدعم اللامتناهي لمليشيات وأنظمة طائفية، كالنظام السوري وحزب الله اللبناني والحوثيين في اليمن، وهذا ما أعلنه أخيرًا قائد فيلق القدس الإيراني، قاسم سليماني، عن وجود مئتي ألف جندي إيراني في خمس دول من دول المنطقة، بينها ثلاث دول عربية! الأمر الذي ولّد حالة من الإحباط لدى الإيرانيين، لاسيما بعد تفاؤلهم عند رفع العقوبات الاقتصادية بعد الاتفاق النووي، وما نتج عنه من صدمة الواقع، حيث شهد الاقتصاد الإيراني مزيدًا من سيطرة التيار الموالي للخامنئي وإحكامًا للقبضة الحديدية عليه، فهيمن الركود على المشهد الاقتصادي.

 

أما الساحة الخارجية، فقد شهدت مؤخرًا حراكًا واسعًا، توّج في مؤتمر المعارضة الإيرانية المنعقد في باريس، الذي سجل حضورًا لافتًا (أكثر من ألف معارض إيراني) جاؤوا من مختلف أنحاء العالم، كذلك سجل حضور دبلوماسيين أميركيين وأوروبيين وعرب، وألقى الأمير تركي الفيصل، رئيس المخابرات السعودية السابق، خطابًا قال فيه: “إن مطلب المعارضة الإيرانية بإسقاط الحكومة سيتحقق”، مضيفًا: “القمع في إيران لا يقتصر على المعارضة، بل يشمل الأقليات وخاصة العرب السنة والأكراد”.

 

وهذا مؤشر إلى تحرك عربي ودولي لدعم المعارضة الإيرانية بشكل كبير، وكذلك يدل على تحرك واسع للحدّ من الدور الإيراني الذي يتسم بالبعد الطائفي لزعزعة استقرار المنطقة، من خلال استخدام الأدوات ذاتها التي طالما لعب بها النظام الإيراني، بدأت نتائجه تظهر من خلال انتعاش نشاط بعض الحركات الثورية عند غير الفرس في إيران، ونلحظ ذلك في زيادة العمليات التي تستهدف أنابيب النفط والمنشآت الاقتصادية والسياحية، وكذلك العمليات التي تستهدف الحرس الثوري الإيراني، فضلًا عن التململ في داخل البيت الشيعي في العراق، والذي بدا جليًا في العراق، خلال الاحتجاجات التي قام بها مناصرو رجل الدين الشيعي “مقتدى الصدر”، والتي طالبوا فيها برحيل من هم موالون لإيران من سياسيي عراق ما بعد الاحتلال.

 

إنّ الطائفية ألغام، حرصت إيران على زراعتها في حقول غيرها، لكن سرعان ما تورطت وسارت في تلك الحقول، متخبطة ما بين هشاشة وضعها الداخلي، وهمجية تدخلاتها الخارجية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق