كلمة جيرون

ما زالت ثورة…

لم يحدث يومًا أن شهد العالم الثالث ثورة مثالية (على الطلب)، ضد نظام شمولي طائفي عسكري، أو ثورة يتوافق شقّها النظري مع شقّها العملي؛ إذ لطالما كانت الثورات تُعدِّل من مساراتها وفقًا لأحوالها، ووفقًا لقوة الجهات التي تحاول قمعها ومنعها، وأيضًا، وفقًا لتغيّر استراتيجيات أصحابها، ووفرة ومرونة أدواتهم؛ وهو أمر ينطبق على الثورة السورية كما على غيرها.

من هنا بالذات؛ لا بدّ من تفهُّم السياق والمسار الذي مرّت به الثورة السورية، والذي يبدو مسارًا قسريًا إلزاميًا، حيث حوّل عنف النظام الحركة الشعبية التي انطلقت قبل خمس سنوات ونيّف، من انتفاضة سلمية حضارية إلى ثورة مسلّحة عارمة، وساهمت في ذلك وسائله الطائفية التدميرية، وتدخُّلِ حلفائه الإيرانيين بأهدافهم القومية الاستعمارية، وانفلات ميليشياتهم الطائفية من عقالها، واستغلال روسيا الفرصة لاستعادة مجد (قيصر قومٍ ذل)، وترحيب كل سابقي الذكر بالجهاد العالمي؛ لينتقل إلى سورية؛ فيغسل موبقاتهم بموبقات أكثر بشاعة.

استُخدمت في سورية، ضد أصحاب الثورة، كل الأساليب والأدوات والوسائل المُحرّمة بالقوانين الدولية والشرائع السماوية والأعراف الإنسانية، وحتى تلك الممنوعة بمنطق جماعات المافيا والجريمة المُنظّمة الدولية، وتجاوزت تصرفات سابقي الذكر كل منطق وعقل، من تدمير للمجتمع والإنسان، إلى بث السموم والنعرات الطائفية والمذهبية والإثنية والمناطقية، إلى ارتكاب مجازر وجرائم ضد الإنسانية، وصولاً إلى تدمير ماضي سورية وحاضرها ومستقبلها.

حاول أصحاب الثورة (المساكين) تبديل أساليبهم وأدواتهم، وأن يتعاملوا مع الواقع، وسط ضعف في الدعم المعنوي والإنساني والمادي والعسكري، وأدّى اختلاف المعارضة وتعدد رؤاها وأيديولوجياتها وثقافاتها ووعيها، وتعدد الداعمين والمتدخلين، إلى أن يكون للثورة السورية مسارات شتّى، فأفرزت تيارات سلمية، سياسية ومدنية، وأخرى عسكرية، معتدلة ومتشددة، وكعادة كل انتهازيي الأرض، استغل بعضهم (ثورة الحرية والكرامة) للانفلات، بمعناه الشامل، ليَنتُج أمراء حرب، ومعارضون انتهازيون، وقطّاع طرق.

هذه المفرزات نتاج طبيعي لتغيّر الأوضاع التي رافقت الانتفاضة/ الثورة، ونتاج طبيعي لعنف النظام وطائفيته، وهمجية إيران، وعنجهية روسيا، وسلبية الولايات المتحدة، ورخاوة أوربا. كما أن وجود مثل هذه المفرزات لا يعني سقوط الثورة، بل هي عملية فرز ومخاض في مسارها، ونتيجة من نتائج أفعال النظام وحلفائه، لا نتيجة من نتائجها، كما يدّعي كثير من الموالين والرماديين وبعض المتشائمين.

الثورة السورية ما زالت ثورة، ولم تتحول إلى شيء آخر، على الرغم من العنف والفوضى وقعقعة السلاح، وعلى الرغم من الوصوليين والأصوليين، وعلى الرغم من الجهاديين والملحدين، ولا يُخطئ من يعتقد أن النتائج والمعطيات ستتغير جذريًا مع سقوط النظام، وسينهار جزء كبير من التشدد والتطرف الوافد، وسيرجع السوريون إلى طبيعتهم المُحبّة للحياة، وستنهار السدود والجدران التي وضعها النظام بين الأخ وأخيه.

من انتفض قبل خمس سنوات ونصف -دون خوف- على واحد من أعتى الأنظمة وأعنفها وأعقدها، استخباراتيًّا وأمنيًّا، وقدّم ما قدّم من تضحيات جِسام، لا شك في أنه قادر على تصحيح مسار ثورته كلما انحرفت عن مسارها، وعلى إزالة (القمامة) التي تتراكم على أعتابها، وقادر -أيضًا- على وضع حد للمتسلقين والبغاة، ومنع وصول نظام (عتيّ) ظالم آخر للسلطة، علمانيًّا كان أم إسلاميًّا، وقادر -بالتأكيد- على مواصلة ثورته التي لن تموت، طالما أنها تحمل في جوهرها أهدافًا سامية، بدءًا من الحرية والكرامة، وصولًا إلى الدولة الديمقراطية التعددية التدوالية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق