سورية الآن

واقع اللجوء وتداعياته الكارثية

لم تعد قضية اللجوء واللاجئين قضية عرضية يمكن التعاطي معها بوسائل وسبل تقليدية، إذ باتت معضلة دولية تتطلب استراتيجيات وحلولًا من نوع مختلف، حتى إن ثمة خبراء يشككون في مدى نجاح أي استراتيجية يتم التوافق عليها، نظرًا لضخامة القضية وتعدد وتشعب تداعياتها الاجتماعية والاقتصادية، وحتى السياسية والديموغرافية والقانونية للعديد من الدول التي باتت هدفًا لطالبي اللجوء، هذا عدا عن وجه آخر للمشكلة، التي تتمثل في اللاجئين والنازحين، حتى في مواطنهم الأصلية.

وفي لغة الأرقام، ثمة صور مرعبة تكاد تلامس الخيال إذا تم التدقيق بتداعياتها ونتائجها الكارثية. فبحسب التقرير الأخير للمفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، فقد وصل عدد اللاجئين في عام 2015 إلى 65.3 مليون شخص، فيما وصل العدد في عام 2014 إلى 59.3 مليون لاجئ، أي بفارق ستة ملايين شخص، ومرد ذلك إلى ارتفاع منسوب حدة النزاعات الدولية والداخلية، وحركة التهريب غير الشرعي إلى العديد من الدول الأوروبية.

وفي تفصيل آخر، تظهر هذه الإحصائية أن ثمة 3 دول تعتبر المصدر الأعلى لهؤلاء اللاجئين، إذ تأتي سوريا في المرتبة الأولى 4.6 مليون لاجئ تليها أفغانستان 2.7 ثم الصومال 1.1، وعلى الرغم من أن النسبة الأعلى التي جذبت هؤلاء اللاجئين، كانت بعض الدول الأوروبية، إلا أن غالبيتهم استقروا بطريقة أو بأخرى في دول منخفضة أو متوسطة الدخل.

والمشكلة الأكبر، تكمن في الوجه الآخر من القضية، المتمثلة في فئة النازحين في مواطنهم الأصلية، حيث التشرد واستمرار تداعيات النزوح من القتل والتشريد والمآسي والفظاعات التي يتعرضون لها من قبل إما الميليشيات المسلحة أو النظم السياسية التي يتواجدون فيها. وبالمناسبة فإن أكبر عمليات القهر والتعذيب والأذى النفسي والاجتماعي تتعرض لها هذه الفئة من الشرائح الاجتماعية. ففي سوريا ثمة 6.6. مليون نازح، فيما العراق 4.4، أما كولومبيا مثلًا فيصل العدد إلى 6.9 مليون شخص. بحسب تقرير المفوضية ذاته، ولجهة الدول المستقبلة، استقبلت تركيا 2.5 مليون لاجئ أي ما نسبته شخص لكل خمسة مواطنين أكراد، فيما يأتي لبنان في المرتبة الأولى عالميًا في استقبال اللاجئين والنازحين قياساً إلى عدد سكانه، ويشكل السوريون السواد الأعظم من هؤلاء اللاجئين.

والمفارقة الأشد ذعرًا، هي أن 51 في المئة من اللاجئين من الأطفال الذين لا تتعدى أعمارهم 14 عامًا، إذ تأتي مصر في المرتبة الأولى عالميًا في تصدير الأطفال اللاجئين.

في الواقع تُعبر هذه الأرقام عن مأساة حقيقية تعيشها المجتمعات الطاردة للاجئين والمستقبلة على حد سواء، سيما وأن حوادث العنف التي شهدتها العديد من الدول الأوروبية كفرنسا وألمانيا وغيرها، أخذت طابعًا مغايرًا، تمثل في لصق الأفعال العنفية التي وصلت إلى حد الإرهاب ببعض اللاجئين في هذه الدول، ما يؤسس لتداعيات أخرى، من بينها زيادة منسوب صراع الثقافات والحضارات، ولصق العمل الإرهابي بفئة ودين بعينه، ما يفاقم الآثار المستقبلية لمجمل العلاقات الدولية.

إن الأخطر من ذلك، هو الوسائل التي يتم اتباعها في مثل تلك الحالات، ومن بينها الوسائل الأمنية التي اعتمدتها مجمل الدول الأوروبية مع مصادر اللاجئين، وجلها كانت من الدول الإفريقية، إضافة إلى استغلال بعض الدول في استقطاب اللاجئين بهدف سد النقص في الهرم السكاني، علاوة على حاجة هذه الدول للأيدي العاملة الرخيصة، أو للفئات التخصصية العالية، وفي كلتا الحالتين ثمة استغلال واضح لهذه الفئات.

في المحصلة يبلغ تعداد سكان العالم 7.4 مليار شخص، وفي مقارنة بسيطة مع تعداد اللاجئين في العالم، يعني أن ثمة شخصًا من 113 شخصاً طالب للجوء، ما يعني أيضاً، أن ثمة شخصًا واحدًا كل 24 دقيقة قد سعى للوصول إلى حق اللجوء.

ألا تعتبر هذه القضية مشكلة للبشرية جمعاء تتطلب جهدًا استثنائيًا؟.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق