أدب وفنون

رياض الصالح الحسين سيرة حياة لم تنته

“سيرة ناقصة لشاعر مات، وترك كل شيء ناقصًا؛ سيرة حياة جاءت نهايتها على عجل”. هذا ما قاله منذر المصري، صديق الشاعر رياض الصالح الحسين، في مقدمته لديوان الأعمال الكاملة الذي صدر أخيرًا عن دار المتوسط، وجُمعت فيه كل قصائد الشاعر، لعلها جملة تختصر سيرة حياة الحسين كلها وتكثفها في آن معًا.

 

لفّت حياة الحسين القصيرة كثيرًا من الغموض، ويتفق معظم من عاصره، أو حاول البحث في تفاصيل حياته، على أنها كانت حياةٌ مُربكة، قلقة، عانى خلالها صعوبات كثيرة؛ من الجسدية إلى النفسية والعاطفية؛ ما انعكس على نشاطه وسلوكه الاجتماعي بشكل عام. لقد عاش الرجل وحيدًا كما مات وحيدًا، حيث يقول الشاعر عماد نجار، ابن أخت الحسين: “وكأنه لم يكن له صديق حقيقي”.

 

كيف يمكن استكمال ما نقص في سيرة رياض؟ لماذا كانت حياته ناقصة؟ ماذا يعني بأنه ترك كل شيء ناقصًا؟ كان عمر الحسين ناقصًا، صحته ناقصة، حبه ناقصًا، حلمه ناقصًا، تجربته الشعرية لم تُستكمل؛ فبقيت ناقصة….. قال الشاعر خلف علي خلف: “سيأتي اليوم الذي يصبح فيه تدقيق معلومات عن رياض أمرًا ليس هينًا”.

 

كتب رياض الحسين كثيرًا من القصائد، ولكن إطلالته الجدية على الوسط الثقافي شاعرًا، بدأت عام 1976، بنشر قصائده في مجلة جيل الثورة، وهي دورية كانت تصدر عن الاتحاد الوطني لطلبة سورية.

 

في عام 1978، انتقل رياض الحسين من مدينة حلب ليعيش في دمشق، وكان قد تحول نهائيًا إلى كتابة قصيدة النثر، وقد تعرف في العاصمة على أهم المثقفين الذين أثّروا تأثيرًا كبيرًا في شعره وشخصيته، بعد محمد الماغوط، ومنهم منذر عبد الحميد ونزيه أبو عفش.

 

وعلى الرغم من التقلبات الشديدة، والتحولات العديدة التي واكبت حياة الشاعر، إلّا أن التحول الأبرز، وربما الأكثر تأثيرًا في حياة الحسين القصيرة، كان اعتقاله مع مجموعة من شعراء ومثقفين، أسهم معهم في إصدار نشرة (الكراس الأدبي)، وتعرض الحسين في هذا الاعتقال لكثير من التعذيب؛ بغية التأكد من صممه وتعثر نطقه، حيث كان لتجربته تلك أن حددت وبلورت موقفه السياسي لبقية حياته، أو كما يرى صديقه المنذر أنه (مازال يحمله حتى في موته).

 

حتى عام 1982، وقبل وفاته بخمسة أشهر، كان قد صدر لرياض الحسين ثلاثة دواوين متعاقبة، وهي خراب الدورة الدموية، أساطير يومية، بسيط كالماء واضح كطلقة مسدس؛ لتأتي الصدمة الثانية ذات التأثير الأكبر، والتي لم تكن سياسّية هذه المرة؛ بل أزمة عاطفية أحاقت به، فعزلته أكثر عن أصدقائه، وتركته حبيس جدران أربعة، صام خلالها عن الطعام والشراب إلى أن نُقل من سجنه الإرادي إلى مشفى المؤاساة، بعد أن أثار غيابه حفيظة صديقيه الشاعرين، مهدي محمد علي وهاشم شفيق، فذهبا لتفقده في غرفته؛ حيث وجداه على شفير الموت.

 

أمضى رياض الحسين الليلة الأخيرة من حياته غائبًا عن الوعي، وكان مساء السبت 20/11/1982، موعده مع الموت بعد حياة لم تتجاوز ثلاثة عقود.

 

بعد مرور عام على وفاة الحسين، صدرت مجموعته الرابعة والأخيرة (وعل في غابة)، و كان قد وجدها مهدي محمد علي في غرفة الحسين، مخطوطًا جاهزًا للطباعة، من الإهداء الموجه إلى (هيفاء أحمد) حبيبته حتى اّخر سطر من اّخر قصيدة في ديوانه الرابع والأخير، وكانت بعنوان (اعتياد) حيث قال في اّخرها:

“لقد اعتدت أن انتظرك أيتها الثورة”

بهذه العبارة اختار رياض الصالح الحسين ختام حياته القصيرة.

 

في (اعتياد) صوّر الحسين انتظاره لحبيبته في حالة عشق حارة، وساق عباراتها بسلاسة وانسياب دون أدنى تكلف، وبكثير من البساطة؛ ليفاجئنا في سطرها الأخير بأنه ينتظر ثورة؛ فكيف كان يرى رياض الحسين الثورة؟ وكيف كان يستشعرها؟

ربما كانت هذه الأسئلة غيض من فيض: رؤى وأحلام وهواجس وأفكار هذا الشاعر، في بحث مستمر ليس هينًا، كما عبر عنه خلف علي خلف، أو لعل حياته كما عبر عنها رياض نفسه في عنوان ديوانه الثالث “بسيط كالماء واضح كطلقة مسدس”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق