مقالات الرأي

الوطنية الكردية والوطنية السورية

منذ الإعلان عن الإدارة الذاتية الكردية شمالي سورية، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2013، بات من الواضح أن القوى الكردية الفاعلة على الأرض، وعمادها حزب الاتحاد الديمقراطي الذي يرأسه صالح مسلم، والذي يُعدّ الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، تؤسس خيارات خاصة بها، بعيدًا عن المفهوم الجامع والمشترك لمكونات المجتمع السوري كافة، وتنحو منحًى خاصًا بها وبمطالبها.

 

ظلت (القضية) الكردية على الدوام قضية وطنية تبنتها قوى الثورة والمعارضة، ومنظمات حقوق الإنسان، ومنظمات المجتمع المدني ذات الصلة كافة، وعُدّت معالجتها جزءًا من حل (المشكلات) السورية العديدة عامة، ففي وثائق أول تجربة لقوى المعارضة، بمختلف ألوانها واتجاهاتها، ومن ضمنها القوى الكردية (إعلان دمشق لقوى التغيير الوطني الديمقراطي عام 2005) نص واضح وصريح عن “حل ديمقراطي عادل للقضية الكردية”، معطوفًا على “ضمانة حرية الأفراد والجماعات والأقليات القومية في التعبير عن نفسها” مع “الالتزام بكافة المعاهدات والمواثيق الدولية وشرعة حقوق الإنسان”.

 

في وثائق المؤتمر الوطني العام الذي عُقد في القاهرة في تموز/ يوليو 2012، تحت مظلة الجامعة العربية، وشاركت فيه أغلبية قوى المعارضة السورية، بما فيها أكثرية القوى الكردية، جاء النص واضحًا وقاطعًا أيضًا “تقرّ الدولة السوريّة بوجود قومية كرديّة ضمن أبنائها، وبهويّتها وبحقوقها القوميّة المشروعة وفق العهود والمواثيق الدوليّة ضمن إطار وحدة الوطن السوري. وتُعدّ القومية الكردية في سورية جزءًا أصيلًا من الشعب السوري”.

 

لم يغب يومًا عن ذهن قوى المعارضة السورية وجود “مظلومية” كردية، بحاجة مُلحّة للمعالجة و(الرتق) في نسيج اجتماعي، تهتك بفعل عقود مديدة من الاستبداد، وكانت القضية الكردية حاضرة على الدوام كقضية وطنية أنتجها غياب الحريات، وضعف القانون، والانتهاك المستمر لحقوق الإنسان.

 

أوحت التطورات المتلاحقة للتمدد الكردي في السنوات الأخيرة، وما تضمنته ورافقته من إجراءات أحادية الجانب خارج الإجماع الوطني، أو بعيدًا عن حزمة صيغ وتفاهمات وطنية، بوجود توجه انفصالي، بدعوى الحرص على الذات ومحاربة قوى التطرف والإرهاب، ويعزز هذا التوجه أن أصحابه باتوا يتصرفون كأنهم غير معنيين أو مهتمين بجوهر (الأزمة السورية) وسببها الرئيس، المتمثل بنظام قاتل وطاغية، تعتقد أغلبية السوريين أن الخلاص منه، سيفتح أفاقًا وطنية رحبة لجميع مكونات المجتمع، لإعادة تشكيل الكيان السوري على أسس ديمقراطية مسايرة لحركة التقدم العالمي.

 

تتلاقى حالة الانفكاك عن القضية الوطنية السورية مع اقتراب واندماج مع بعض الأجندات الخارجية، وسياسة التحالف الدولي للحرب على الإرهاب الذي لا يرى في إسقاط نظام الأسد أولوية له، بعكس مطالب مكونات شعبنا بعامة، وقوى الثورة والمعارضة بخاصة. ويُقدّم الذين يقودون هذا التوجه الانفصالي أوراق اعتماد؛ ليكونوا طرفًا مشاركًا في اتجاه دولي يسعى لتحقيق أهداف مرحلية واستراتيجية، لا تخدم المصالح الوطنية، وعلى رأسها إعادة تشكيل المنطقة على أسس ومفاهيم مغايرة لما استقرت عليه في المئة سنة الأخيرة، ربما يكون التقسيم أحد نتائجها.

 

على الرغم من النفي الكردي المتكرر للرغبة في الانفصال، إلا أن كل الممارسات على الأرض تشي بعكس ذلك، بدءًا من رفع العلمين الكردي والحزبي، وإقصاء العلم الوطني، إلى تغيير أسماء المدن والبلدات، وتشكيل مؤسسات سلطوية خاصة، وفي مقدمتها قوى الشرطة المحلية، مرورًا بفرض نظام الخدمة الإلزامية والتجنيد في صفوف الحزب المذكور، مترافقًا مع ممارسات ذات طابع عنصري وتطهير عرقي ضد العرب، وثّقتها منظمات دولية ذات مصداقية.

 

بهذه الطريقة، يمكن القول إن حزب العمال الكردستاني يسدي خدمات كبيرة لنظام الآسد، وفاء لعلاقة قديمة تعود إلى بداية تأسيسه، ومع رمزه عبدالله أوجلان، إضافة إلى مصالحه الخاصة ومشروعه التقسيمي، حيث يضع رديفه السوري (حزب الاتحاد الديمقراطي) نفسه شريكًا في خندق الحرب على الإرهاب، ويستغل حاجة اللاعبين الكبار له؛ ليستقوي بهم ويطعن قوى الثورة الوطنية المعتدلة التي تندرج في إطار فصائل الجيش الحر في ريف حلب الشمالي، وأماكن أخرى، وليوسع من مجاله الحيوي بالقوة، بناء على زعم مضلل بأن الأراضي التي يتوسع فيها هي أرض قومية للأكراد، فيعطي نفسه الحق في بسط سيادته عليها جريًا وراء وهم، تشاطره فيه أطراف أخرى بأن الهوية السورية الوطنية قد اضمحلت، وانبعثت محلها هويات دون وطنية، وحانت ساعة الاقتسام، فلمَ لا تكون هذه اللحظة فرصة تاريخية وملائمة لفرض سلطة كردية واقعية بقوة السلاح، تدغدغ الحلم القومي، واستثمار الشعور الجماعي الكردي بأنهم أمة ناهضة، خذلتها وعود الدول الكبرى قبل مئة سنة، ولا تريد أن تكرر خيبتها، وتضيع الفرصة عليها مرة جديدة.

 

ثمة كثير مما لا يصرح عنه الأكراد في مطالبهم وسقف طموحاتهم، فهم مثلًا قبلوا بصيغ توفيقية ومبهمة أحيانًا، انتظارًا لما ستؤول إليه موازين قوى الصراع، وما ستقرره الدول الكبرى، بشأن مسائل مهمة مثل طبيعة النظام اللامركزي، هل هو إداري أم سياسي؟ وتبين لكثير من المعارضين السوريين، من خلال نقاشاتهم مع قادة من هذا الحزب، أنهم يريدون تكريس الواقع بأساليب تتنافى وأبسط القواعد الديمقراطية المعاصرة، وتدشين علاقة مضطربة وصراعية مع إخوانهم العرب وجيرانهم الترك.

 

يعتقد كثير من السوريين أنه بات للأكراد وطنيتهم الخاصة بهم، وأنهم لم يعودوا يرون فيما هو إجماع وطني سوري قضية تعنيهم، أو غاية تستحق الحرص عليها؛ لذلك لم يكن مفاجئًا في هذا السياق أن يروا العلمين، الكردي والإسرائيلي، يتعانقان، مثلًا في بعض المناسبات، على الرغم من أن إسرائيل دولة محتلة لأراض سورية وعربية، ولا تزال في الوجدان والثقافة العامة لدى عموم السوريين عدوًا يغتصب أرضًا ووطنًا، فضلًا عن كونها الشريك الخفي الذي يحمي الأسد.

 

جمعة “آزادي” في الأشهر الأولى للثورة في أوضح معانيها وأنبل مقاصدها، وصوت الشهيد مشعل تمو، وغيرها من علامات، وكذلك روابط التاريخ والجغرافيا والثقافة تنزاح لصالح قيم مغايرة، تتخلق معها (وطنية كردية) منفكّة عن محيطها، وبالتأكيد، فإن الفيدرالية بالطريقة التي طرحها الاتحاد الديمقراطي ليست حلًا لها أو بديلًا، بمعناها المتداول، فلكل منهما سياقه التاريخي، وعوامل تطوره.

 

(الوطنية الكردية) أكثر صعوبة وتعقيدًا، في تطورات الأزمة الحالية، مما عانته في ظل هوية وطنية مؤدلجة، لم تتح لها الأحوال والشروط الموضوعية للتبلور عبر الحوار والتفاعل بين المكونات كافة، على نحوٍ يحصنها من الانفراط والتشظي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق