أدب وفنون

الفكر السياسي العربي بين خطاب البديهيات وخطاب البداهات

في كتاب (في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي)، يرى عزمي بشارة أن كتابات عبد الرحمن الكواكبي عن الديمقراطية، هي “من أفضل الصياغات”، وأن حديث المفكرين العرب المعاصرين عن عناصر الديمقراطية، ليس -بشكل عام- سوى تكرارٍ يخلو من أيِّ أصالةٍ أو جدَّةٍ.

 

بدايةً فاجأني هذا القول، وفاجأني -أيضًا- غياب أي تنظيرٍ لماهية الديمقراطية، ولإشكالياتها ولأشكالها المختلفة، في كثيرٍ من نصوص الفكر العربي التي تتناول هذه المسألة، لكن عوامل المفاجأة والاعتراض زالت تدريجيًّا لاحقًا؛ ليحل محلها فهمٌ، جزئيٌ ونسبيٌّ، للعوامل والأسباب التي يمكن الاعتقاد بقدرتها على تفسير، بل وتسويغ الغياب، الجزئي والنسبي على الأقل، لسمات التطور والعمق والجدة المعرفية، في معظم دراسات ومناقشات الفكر السياسي العربي.

 

ما زلنا في مواجهة واقعٍ ماديٍّ وفكريٍّ يفرض علينا تبني (خطاب البديهيات) الذي يجهد؛ لتأكيد ما هو مؤكد، وتوضيح ما يُفترض أنه واضحٌ ومحسومٌ لكل من فكَّر وتدبر؛ مقابل خطابٍ (خطاب البداهات) يكرِّر، أو يرتجل، مواقف وأفكارًا غاية في السذاجة، وانعدام المعقولية والمنطق. وإذا كانت كلمتا (البديهية) و(البداهة)، تعنيان، فيما تعنيان، “أول كل شيء”، وترتبطان بمعنى البداية، وبما هو أوليٌّ؛ فإننا نصطلح هنا على ربط البداهة بالسذاجة المقلدة أو الارتجال الساذج، الناتجين عن عدم إعمال العقل والفكر في المسألة، مقابل ربط البديهية بما هو واضحٌ -تمامًا- للفكر بعد التفكير والتأمل.

 

يجد الفكر العربي نفسه -غالبًا- في موقع المضطر للبقاء في حقل البديهيات، في مواجهة فكرٍ مليءٍ بالبداهات؛ فعلى سبيل المثال، مازلنا مضطرين إلى التشديد على أهمية الديمقراطية والدولة العلمانية أو المدنية في مواجهة خطابٍ، يدافع عن الاستبداد والديكتاتورية أو الدولة الدينية أو الطائفية، ويبررهما بذرائع مختلفةٍ. وما زلنا مضطرين إلى القول بضرورة إدانة قتل المدنيين بالبراميل أو بالتجويع أو التعذيب وما شابه، مقابل فكرٍ يبرر قتل الأبرياء، ويطبق مبدأ “الغاية تبرر الوسيلة”، بأبشع طريقةٍ ممكنةٍ. وما زلنا مضطرين إلى نفي شرعية رئيسٍ ومعقولية أو مقبولية استمراره في الحكم، بعدما اغتصب السلطة بالوراثة والقوة، ودمر بلده، وقتل أو هجر قسمًا كبيرًا من أفراد شعبه، في مواجهة خطابٍ، يخاطبه بـ “سيدي الرئيس المنتخب”، ويطلب منا الانصياع لموازين القوى المتفاوتة، وبضرورة تبني رؤيةٍ براغماتيةٍ (لا أخلاقية) في السياسة، وما زلنا مضطرين إلى التشديد على فكرة أو مقولة: “كما يولّى عليكم تكونوا”؛ لإبراز الدور الكبير الذي تلعبه السلطة الحاكمة في تقدم الدولة والمجتمع، أو تخلفهما، واتخاذهما هذه الوجهة أو تلك، مقابل خطابٍ يبرز مقولة: “كما تكونوا يولَّ عليكم”، ليبرئ السلطة الغاشمة، ويجرِّم المجتمع والشعب، ويقلب الأدوار بين الحاكم الظالم، والمحكوم المظلوم؛ فيجعل من الأول ضحيةً، ومن الثاني مجرمًا.

 

وما زلنا مضطرين إلى القول: إن الانقسامات وأشكال التطرف الطائفية والعرقية، هي من صنع السياسة والعنف والحرب، في مواجهة خطابٍ يرى أننا في حالة “حربٍ أهليةٍ”؛ لأننا منقسمون ومتطرفون دينيًّا و/أو طائفيًّا و/أو عرقيًّا. وما زلنا مضطرين إلى تأكيد مشروعية الثورة ضد المستبد والديكتاتور، بل وإلى التشديد على أهميتها وضرورتها المطلقة، في مقابل خطابٍ، يحمِّل الثوار ومؤيديهم مسؤولية نتائج قمع الثورة، ويرى أن لا إمكانية فعليةً لبديلٍ أفضل، أو أقل سوءًا، من النظام القائم.

 

وما زلنا مضطرين إلى التشديد على إمكانية الحوار بين السوريين (الثائرين على النظام ومؤيديه)، أو على أهميته على الأقل، مقابل خطابٍ يفرز بين الثائرين والرافضين للنظام، على أساس انتماءاتهم العرقية أو الدينية أو الطائفية أو المذهبية أو الفكرية أو المناطقية.. إلخ، وينتج خطابًا تمييزيًّا وضيِّقًا، على هذا الأساس، وما زلنا مضطرين التشديد على أن معاداة الإمبريالية العالمية، ومقاومة أو ممانعة الصهيونية الإسرائيلية، ومناهضة الرجعية العربية، لا تبرر الوقوف مع مستبدٍ ضد شعبه، مقابل خطابٍ، لا يتزحزح عن أولوية تلك المعاداة والمقاومة والممانعة والمناهضة، حتى لو كان ثمن ذلك حرية الشعوب وكرامتها. ما زلنا مضطرين إلى البرهنة على أن حصول المستبد، أو الطاغية، على تأييد عددٍ من أفراد رعاياه، الذين يقدسون بوطه العسكري، على الرغم من كونه يدوس على كرامتهم، ويسحق إنسانيتهم ومواطنيتهم، لا يعطي أي مشروعيةٍ لهذا المستبد أو الطاغية، بل يوفر سببًا إضافيًّا للثورة عليه؛ في مقابل خطابٍ، يستند -شكليًّا- إلى بعض أفكار الديمقراطية؛ لتبرير وشرعنة الديكتاتورية والاستبداد والطغيان.

 

(خطاب البداهات) والواقع المنتِج له، هو أحد العقبات التي تواجه الفكر العربي (السياسي)؛ للانتقال من المستوى الأولي ﻟ (خطاب البديهيات)، إلى مستوىً أكثر عمقًا وتفصيلًا، بما يسمح له بتناولٍ (فلسفيٍّ) للمسائل المطروحة؛ فالفكر الفلسفي غير ممكنٍ، أو غير ضروريٍّ، على الأقل غالبًا، على مستوى خطاب البديهيات، وفي مواجهة خطاب البداهات؛ فالفكر الفلسفي لا ينمو إلا على مستوى ما هو إشكاليٌّ. ومن الصعب، وربما من غير المفيد أو المجدي، الانتقال إلى مستوى الإشكاليات، حينما يتعذر الاتفاق على البديهيات، أو تكون ثمة ضرورةٌ دائمةٌ لإبرازها وتأكيدها؛ ولهذا يبدو لكثيرين، في مثل هذا السياق، أن أفضل أو أقصى ما يمكن، و/أو ينبغي للفكر فعله، هو توصيف الواقع، واتخاذ موقفٍ سياسيّ – أخلاقيٍّ مما يحصل فيه، والتشديد على البديهيات التي يتم التشكيك فيها، أو نفيها من قبل (خطاب البداهات).

 

(خطاب البداهات) والواقع المنتج له بالدرجة الأولى، ليسا إلا عقبةً من بين عقباتٍ كثيرةٍ، تقف في وجه تطور الفكر السياسي العربي. فثمة عقباتٌ أخرى تتمثل، على سبيل المثال، في (الخطاب اللاأخلاقي) الذي قد يتجسد في (الخطاب المنافق)، و(الخطاب عديم الأخلاق)؛ فعلى الرغم من أن (خطاب البداهة) يفتقد السمة الأخلاقية في كثيرٍ من الأحيان، إلا أنه من الصعب الحكم على صاحبه باللاأخلاقية، عندما يُعتقد أن تبنّي هذا الخطاب (اللاأخلاقي)، قد تم بدون (وعيٍ)، أو بدون سوء نيةٍ أو قصدٍ سيئٍ بمعنى ما، وأن هذا التبني ناتجٌ -بالدرجة الأولى- عن الارتجال والببغائية وانعدام التفكير والجهل وما شابه.

 

في المقابل، يمكن أن يتم تبني (خطاب البداهات) بقصدٍ، وعن سابق إصرارٍ وتصميمٍ؛ بحيث يكون هذا التبني مرتبطًا بلاأخلاقية صاحبه، وثمة نوعان من اللاأخلاقية هنا: الأول هو النفاق، والثاني انعدام الأخلاق؛ ﻓ (الخطاب المنافق) يتبنى مواقف (خطاب البداهة)، لا عن قناعةً بمضمونها (لأنه يدرك سخف هذا الخطاب وسذاجته)، بل لحسابات أخرى، مصلحية (اقتصادية، طائفية… إلخ)، أو لأنه يعتقد، لسببٍ أو لآخر، أنه مضطرٌ لذلك. أما الخطاب (عديم الأخلاق)؛ فلا يكترث للأخلاق وقيمها أصلًا.

 

فإذا كان (الخطاب المنافق) لا يرى حرجًا في (جرْش) المدنيين، طالما أنهم “حاضنة شعبية للإرهابيين”، ويسوِّغ ذلك بأن “مهمة الجيش هي الجرش لا “التنقاية”، فإن (الخطاب عديم الأخلاق) لا يرى حاجةً لأي تبريرٍ أخلاقيٍّ، أو غير أخلاقيٍّ، لقتل من يعدّهم أعداءً؛ بل يرى في محاولات التبرير تلك “مثاليةً سخيفةً” و”تنظيرًا عديم المعنى”، وربما كان واضحًا أن الخطاب السياسي الرسمي (العالمي)، في ما يخص الثورة السورية، مثلًا أو خصوصًا، هو غالبًا، على الأقل، خطابٌ (منافقٌ) أو (عديم الأخلاق)، ومن هنا تأتي صعوبة التفكير فيه، ومناقشته، وأخذه على محمل الجد عمومًا.

 

لا شك في أن الواقع المأساوي الذي تعيشه سورية (سواءً قبل قيام الثورة أم بعده) هو المنتج الرئيس للخطابات الثلاث المذكورة، على الصعيد المحلي، وهو يمثل العقبة الأساسية التي تواجه أي مفكرٍ سوريٍّ، يريد الاشتغال في التنظير السياسي، لما هو قائمٌ، ولما ينبغي أن يكون. وبدون التقليل من أهمية بعض النصوص (النادرة نسبيًا) التي تستحق التنويه والتقدير والتفكير فيها ومعها، أو انطلاقًا منها، نجد أن الفكر المناهض للخطابات الثلاثة المذكورة وما يشابهها، وللواقع الذي أنتجها، يختزل نفسه -غالبًا- في خطابٍ للبديهيات، يكون أقرب للتوصيف منه إلى التحليل والتركيب، وإلى الانتقاد أو المديح منه إلى النقد، وإلى الأيديولوجيا والموقف السياسي و/أو الأخلاقي منه إلى الإنتاج المعرفي. ويبقى السؤال المهم، وربما الأهم، في هذا الخصوص: ما مدى إمكانية و/أو ضرورة و/أو جدوى محاولة الانتقال من خطاب البديهيات التكراري إلى خطاب الإشكاليات الإنتاجي؟ على الرغم من الإشكالية المفترضة في هذا السؤال، إلا أنه من الواضح أنه ينتمي، جزئيًّا على الأقل، كما هو حال هذا المقال بأكمله تقريبًا إلى خطاب البديهيات، في مواجهة (خطاب البداهات) والواقع المنتج له.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق