تحقيقات وتقارير سياسية

الأكراد ومستقبل الهوية الوطنية السورية

استطاعت ما تُسمى بـ “قوات سورية الديمقراطية” (قسد)، التي يُشكّل مقاتلو وحدات حماية الشعب الكردية (ي ب ك)، التابع  لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (ب ي د) عمودها الفقري، تحقيق انتصارات متتالية، في الشمال السوري، على كل من تنظيم داعش، وبعض فصائل الثورة السورية؛ بدعم غير محدود من قوات التحالف الأميركي، حيث سيطرت -من خلالها- على معظم محافظة الحسكة، وشمالي محافظة الرقة، ومناطق واسعة من ريف حلب الشمالي والشمالي الشرقي، وتشنّ هذه القوات، منذ أواخر أيار/ مايو الماضي، حملة عسكرية كبيرة على مدينة منبج التي تُعدّ من أكبر مدن الريف الحلبي، بهدف انتزاع السيطرة من تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على المدينة، واستكمال سيطرتها على ما تبقى من ريف حلب الشمالي.

 

وإذا أخذنا بالحسبان الدعم الكبير التي تحظى به هذه القوات من قبل التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، والمساحة الجغرافية الواسعة في الشمال السوري، الخاضعة لسيطرة هذه القوات، يمكن استنتاج أن هذا الحزب فرض نفسه كأحد اللاعبين الأساسيين في الخارطة السياسية السورية، لكنّه -عمليًا- تجاوز حدود المطالب “المشروعة” للمكون الكردي بحقوق ثقافية واجتماعية واقتصادية في المناطق ذات الغالبية الكردية، إلى إعلان إدارة ذاتية من جانب واحد، في المناطق الخاضعة لسيطرته، فارضًا، في الوقت ذاته، رؤيته الأحادية ليس على المكون الكردي فحسب، وإنما على باقي المكونات الأخرى في الشمال السوري كذلك.

 

وحول موقف باقي القوى السياسية الكردية من توجهات هذا الحزب، قال فراس ديب، الصحافي الكردي السوري المستقل، في تصريح لصحيفة (جيرون): “بداية كي نتمكن من قراءة الملف الكردي في سورية بشكل جيد، واستقراء مستقبله المنظور، يجب النظر إلى تاريخ الحركة السياسية الكردية في سورية، حيث لا يخفى على المتابعين أن هناك ما يناهز 37 حزبًا وحركةً سياسيةً كرديةً في سورية اليوم، كلها نتجت عن تشظيات الحزب الديمقراطي الكردي في سورية الذي أُسس عام 1957، إضافة إلى حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي الذي يُعدّ امتدادًا لحزب العمال الكردستاني في سورية”.

 

وأضاف ديب: “في انتفاضة عام 2004، كان هناك مزاج شعبي، يتأرجح بين مؤيد للحاق بالتجربة البارزانية وإعلان فيدرالية كردية في شمال شرق سورية، وبين أصوات نخبوية كانت تنادي، ولو على خجل، بانتفاضة تشمل جميع أنحاء سورية، لكن النظام بأساليبه وأدواته، ومن ضمنها عدة أحزاب سياسية كردية، كان السبّاق إلى إخماد الحراك الشعبي في كل من القامشلي ، عامودا ، الحسكة ، عفرين”.

 

وتابع: “مع اندلاع الثورة السورية في عام 2011، كان الأكراد سبّاقين -أيضًا- إلى التظاهر والاعتصامات، لكن عاد النظام؛ ليعتمد الأدوات والأساليب نفسها، حيث جمع قيادات الأحزاب السياسية الكردية، وشدّد على ضرورة تحجيم التظاهرات في المناطق الكردية، وعدم رفع سقفها المدني، وعدم تحويلها إلى أي شكل من أشكال العسكرة، ومن جهة أخرى، كان النظام يُبلور خلف الأبواب المغلقة خطة عمل لحزب الاتحاد الديمقراطي؛ كي يملأ الفراغ الذي تركه متعمدًا، حيث لعب النظام على وتر العاطفة الشعبية، وصعوبة خلق صدام بين طرفين كرديين في حيز جغرافي معين، لأن تجارب كردستان العراق، والصراع الثلاثي بين الحزب الديمقراطي الكردستاني، وحزب الاتحاد الوطني، وحزب العمال، شكّل تجربة مريرة للأكراد في المنطقة، ودرسًا عميق الأثر، ألقى بظلاله على ما يعيشه الأكراد اليوم في سورية، وجعل من الصعوبة بمكان بلورة حراك مناهض لسيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي، واستبداده بالقرار الكردي في سورية، حتى من قبل أحزاب المجلس الوطني الكردي، وبالتالي؛ فإن السيناريوهات المحتملة، في غياب كتلة ثقافية وسياسية، تقف للتصدي لاستبداد حزب الاتحاد الديمقراطي، ستجعل أكراد سورية فاقدين للحصانة الوطنية الجامعة من جهة، وعرضة للاستثمار من قبل القوى الدولية والإقليمية؛ لخدمة أجندات لا تصب في مصلحة أكراد سورية على أي مدى”.

 

يتحكم إقليم كردستان بطرفين رئيسين: الأول الحزب الديمقراطي الكردستاني، والثاني حزب الاتحاد الوطني، وكلاهما له دور فاعل في الحراك السياسي الكردي في سورية، فالأول يدعم المجلس الوطني، ويمثّل نهجه نهج المجلس، والثاني يدعم حزب الاتحاد الوطني، وقَبِل بفتح مكتب للإدارة الذاتية في السليمانية، وبالتالي؛ فإنهما يؤثران -بشكل كبير- على الحراك الكردي سياسيًا لدرجةٍ كبيرة.

 

يتجلى الخلاف بين الطرفين -بصورة أوضح- من خلال القوة العسكرية المسيطرة على هذه المناطق، فحزب الاتحاد الديمقراطي، ومن خلال جناحه العسكري (وحدات حماية الشعب) يقوم بفرض سيطرته العسكرية على معظم المناطق الكردية في سورية، ويمنع في الوقت ذاته، القوى العسكرية التابعة للمجلس الوطني الكردي (بشمركة روجافا) الموجودة في إقليم “كردستان العراق” من أن يكون لها موطئ قدم في سورية.

 

أما بالنسبة للقوى الكردية، غير المنضوية تحت جناحي هذين التجمعين الكرديين؛ فهناك العديد من القوى السياسية والعسكرية، ذات التوجه الوطني السوري، بالإضافة إلى بعض القوى ذات التوجه الإسلامي، التي تختلف اختلافًاً كبيرًا عن توجهات حزب الاتحاد الديمقراطي والمجلس الوطني الكردي.

 

هذا الأمر أكّده عبد الباري عثمان، عضو اتحاد الديمقراطيين السوريين، وشدد -أيضًا- على وجود تهميش لكل هؤلاء، وقال لـ (جيرون): “هناك تغييب للأصوات السياسية الكردية المستقلة، والشخصيات الوطنية الكردية السورية، لحساب هذين التجمّعين الكبيرين”، وشدد في الوقت ذاته، على أن هذه الشخصيات الكردية “لها توجّهات وطنية أكثر قوة، خاصة في ما يتعلق ببناء دولة وطنية ديمقراطية تعددية برلمانية في سورية، يتفق عليها السوريون ضمن شروط، وقواعد تتفق عليها كل مكونات الشعب السوري”.

 

لكن “ديب” يضع بعضًا من اللوم على المعارضة السورية التي لم تستطع احتواء هؤلاء، فقال: “هناك أصوات ارتفعت -منذ البداية- في وجه حزب العمال الكردستاني، وفرعه في سورية، حزب الاتحاد الديمقراطي، وفي ما بعد، اعتراضًا على هشاشة المجلس الوطني الكردي، وارتهانه لسقف النظام السوري، لكن مصير كل هذه الأصوات كان إما الإعتقال من قبل النظام، أو التصفية الجسدية، أو التهجير القسري والإبعاد عن الساحة السياسية الكردية والسورية على حد سواء، وبالإضافة إلى ذلك، فإن ضعف أداء المعارضة السياسية السورية، وقصورها في استيعاب أبعاد الملف الكردي في سورية، وطغيان الخطاب العروبي، والإقصاء في عدة محافل، أدت بالنخب السياسية الكردية الوطنية، إما إلى الانطواء أو الخضوع لسقف الائتلاف المعارض، دونما وعود أو ضمانات واضحة لمستقبل سورية”.

 

أمام هذا الواقع الجديد الذي فرضته سيطرة التيارات الراديكالية، المتمثلة بحزب الاتحاد الديمقراطي، على المشهد السياسي والعسكري الكردي (مستفيدًا من الوضع الإقليمي والدولي)، على حساب القوى الوطنية الكردية، أصبح لزامًا على القوى الثورية إعادة تقييم تعاطيها مع أبعاد الملف الكردي، والذي يجب أن يخرج عن نطاق التخوين والاتهام بالعمالة للمكون الكردي بشكل عام، والذي دائمًا ما كان يستفيد منه حزب الاتحاد الديمقراطي، من خلال ماكينته الإعلامية، لوصف الثورة بأنها تسعى لإقصاء دور الأكراد، والبحث عن سبل؛ لتعزيز موقف القوى الوطنية الكردية على المستوى المحلي والإقليمي والدولي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق