مقالات الرأي

الدولة الأمنية في سورية وهدر الكرامة

الهدر المُمارس ضد  الكرامة الإنسانية، وتعويم الفكر الاستبدادي الأمني في سورية، منذ استيلاء حافظ الأسد على السلطة عام 1970، وما جاء -بعد ذلك- من توريث تحت سطوة السلطة العسكرية، بأبعاده الطائفية الأمنية، يحيلنا -اليوم أكثر من أي وقت مضى- إلى مآلات الدولة الأمنية الشمولية، المنفلتة من كل عقال، والباسطة أذرعها الضاربة فوق رؤوس العباد والبلاد، وهذا الهيجان الطغياني الملحوظ والملموس في واقعنا، ضاربة عرض الحائط بكل القيم الإنسانية، بل وما قبل الإنسانية، هائمة على وجهها، هادرة الدم والأرض والعرض، باسطة عنفها وسطوتها العسكرية على كل ما هو موجود، غير آبهة بما يمكن أن ينتج عن ذلك مستقبلًا من ردود فعل لا تُحمد عقباها، ونواتج صدامية غاية في التطرف  والعسف.

هذا النهج الشمولي الأمني، أقام سدًا في وجه العمل السياسي والديمقراطي على صعيد المجتمع، وفي وجه أي نشاط سياسي أو اجتماعي أو ثقافي مستقل، يقع خارج أُطر الهيمنة المطلقة؛ فلا رأي آخر، ولا قبول بأي معارضة من أي نوع، فإما أن تكون مع السلطة (مع الدولة الأمنية) راضيًا ومُؤيدًا ومُسلّمًا بكل ما تقول وتفعل، أو أن تدخل في الأطر والأقنية التي ترسمها أجهزة النظام للعمل والولاء، وإلا فأنت خارج على القانون والنظام، وأي تعبير عن معارضتك لهذا الواقع يُعدّ تهديدًا لأمن الدولة، وإذا ما جهرت وانتقدت واقع الظلم والفساد والتمييز، ومارست حقك كمواطن وإنسان في التعبير عن مطالبك، أو مارست بعضًا من حقوق المواطنة في حرية الكلمة والتعبير، وحرية التجمع والتنظيم الديمقراطي المستقل عن التنظيمات المصنّعة أمنيًا، تكون قد شققت عصا الطاعة، وأنت من العصاة، وينتظرك ما لا تُحمد عقباه.

في الدولة الأمنية صنفان: صنف الحاكمين والمنتفعين من الحكم، وكل من يلوذ بهم وينتهز الفرصة ويتبعهم، يحظى بالمكاسب والثراء والنِعم، ويُباح له ما لا يُباح، ويُغفر له مالا يُغتفر. أما الصنف الآخر، هو ذاك الذي لم يدخل في حاشية الطبقة الحاكمة ومجتمع أهل الحكم، والذي رفض الخضوع والتبعية، وهو ما ليس له من حقوق المواطنة شيئًا يُذكر، ويواجه التهميش والقمع، ويُدفع إلى الهجرة والرحيل.

يشير الدكتور خلدون النقيب في كتابه “الدولة التسلطية في المشرق العربي” إلى أن “الإطار التاريخي الذي ولدت فيه الدولة الأمنية في العالم الثالث عامة، ومنه العالم العربي، هو الاتجاه العالمي نحو توسع وتعاظم دور الدولة في الاقتصاد والمجتمع، الذي أصبح حقيقة واقعة، وتيارًا كونيًا على مستوى العوالم التالية: الأول، الرأسمالي الذي أنتج دولة الرعاية والليبرالية التجارية (الدولة الكينزية)، والثاني، الشرقي الذي أنتج نوعًا مشوهًا من الاشتراكية المبقرطة، والثالث، المتخلف  عنهما الذي أنتج رأسمالية مشوهة نسميها تجاوزًا (رأسمالية تابعة)”.

في هذا السياق، وضمن دفتي كتاب “سقوط الدولة البوليسية” للكاتب التونسي، توفيق المديني، يبين الكاتب أن الدولة البوليسية عامة، هي التعبير المعاصر عن الدولة الاستبدادية القديمة، وهي التي ارتبطت بتطور الرأسمالية في مراحلها المختلفة. أما الدولة البوليسية التي ظهرت في العالم العربي على وجه الخصوص، فقد ارتبطت بتدخل الدولة الهائل في الاقتصاد والمجتمع، ومن ثم تعاظم دورها، وتنامى تسيدها على المجتمع.

هنا، لابد من التأكيد على أن كل المحددات العلمية هذه، التي ذهب إليها الكتّاب وأصحاب الفكر، قد تجاوزها الزمن، بعد أن شاهدنا، آليات جديدة، تجسد نواتج الدولة البوليسية الغارقة في دهاليز القهر والسلب والنهب؛ فقد أضحى للدولة البوليسية نواتج، وآليات متجددة، سبقت زمانها وتجاوزت آليات ومحددات المنظرين، ليلمس المرء يوميًا، اتجاهات في القهر وسحب الشرعية، وانتهاك الحرمات، وممارسة الإرهاب المنظم، وغير المنظم، كما هو الحال مع أدوات النظام السوري، كنماذج يصعب تأطيرها الآن، أو تحديد سياقاتها، قبل مرور زمن عليها، حتى يكون التحليل غيرَ انفعالي، رصينًا ومتزنًا وأقرب إلى الغوص العلمي، منه إلى ردود الفعل الانفعالية، فتعاظم دور أذرع الدولة الأمنية، التي لا يضبطها ضابط، ولا يمسك بمسارها أي وازع، ولا يقف في طريقها، أي مُحرّم أو مُقدّس،  يدفعنا إلى القول: إن الدولة البوليسية -اليوم- تنخرط في بنية جديدة، ليست الدولة، ولا بنيتها على الإطلاق، بل ترد إلى ما قبل الدولة، وإلى ما قبل العشيرة، وإلى ما قبل أيّ محددات، إنها ليست كأي مما سبقها، بل هي مسألة أخرى، متعددة النواتج، ومنفلتة الانضباط، ينتج عنها حالات من الرعب البوليسي، ستظل المجتمعات السورية وما شابهها، عالقة بين ظهرانيها إلى أزمنة أخرى.

إن الرعب الأمني الدموي الاستخباراتي اليوم، البعيد عن المنطق والعقل، سيؤسس لثقافات جديدة، ليس أهمها ولا آخرها ثقافة الخوف المتموضع في مخيال كل منا.

هناك من يعتقد أن الرعب البوليسي العصري، الناتج عن الدولة البوليسية الحديثة، بكل أدواتها ونواتجها، سيُنتج كينونة مجتمعية مختلفة، وجدّ متمايزة، ستعيد بناء الإنسان على أسس جديدة، مدركة ماهية الحرية بالمعنى الفلسفي، والاجتماعي للكلمة.

إن نواتج الدولة الأمنية العصرية الآنية، ستكون على عكس ما تمنى وخطط ونفذ أهلها، ستكون انقلابًا معرفيًا آنيًا ومستقبليًا جديدًا، يلاقح كل الثقافات، ويبني نفسه بنفسه على حافة طريق أخرى.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق