مقالات الرأي

حتى لو فكت النصرة ارتباطها بالقاعدة!

أخيرًا، فكّ تنظيم جبهة النصرة ارتباطه مع تنظيم القاعدة، وهلّلت وسائل الإعلام، ورحبّت بعض الدول، وتحدثت بعض المعارضة عن “أهمية الخطوة”! الحدث، وما جرى حوله، وعلى ضفافه يقول الكثير، ويعكس آليات التفكير السائدة، سوريًا ودوليًا.

قبل الدخول في التحليل، لا بد من القول إنّ ما يهم السوريين ليس بقاء جبهة النصرة جزءًا من تنظيم القاعدة أو انفصالها عنه، بل الخطر يكمن في الجبهة نفسها، التي تُشكل قوة معادية للثورة السورية ولشعاراتها أولًا، وكونها أحد أبرز (الأدوات) التي يستند إليها النظام لتبرير عنفه، وتقديم نفسه أمام العالم، بوصفه يحارب الإرهاب، لا ثورة الشعب السوري، ثانيًا. وكذلك المجتمع الدولي الذي يبرّر تقاعسه بالنصرة وأشباهها، ثالثًا ورابعًا، كونها تشكل خطرًا على المجتمع السوري الذي تتمدّد به النصرة وتنشر أفكارها وتجذب مريدين ومقاتلين قد ينتمون لها، كرد فعل، من جرّاء اليأس وانسداد الأفق الذي بات يخيّم على السوريين، داخلًا وخارجًا، ما سيخلق مشكلة كامنة سنحتاج الكثير من الوقت والجهد للتعامل معها لاحقًا، الأمر الذي يعني أنّ مصلحة السوريين، تقتضي محاربتها، لا التهليل لفك ارتباطها بتنظيم القاعدة شكليًا، فيما فكرها وبرامج عملها التي تقترحها لسورية هو فكر ونهج وبرنامج القاعدة ذاته، فعلام هذا التهليل إذن؟

ينطلق المهللون من فكرة، أنّ النصرة تُشكّل جزءًا أساسيًا من جيش الفتح، وبالتالي إنّ بقاءها على قائمة الإرهاب، يعني ضعف هذه المعارضة، وبالتالي إمكانية اندحارها، الأمر الذي يعكس أن خلف هذا التفكير، يقف المراهنون على العسكرة فقط، بحيث يعدون أنّ العسكرة هي مجال الصراع الوحيد مع النظام، ويعكس أيضا العقلية التي تريد أن تحقق مكتسبات ضد النظام بأي شكل من الأشكال، ولو على حساب المجتمع والسياسة، أي أنّ أصحاب الرهان على جبهة النصرة، “عدميون” سياسيًا ووطنيًا، علاوة على عدم معرفتهم سمة العصر الذي يحيون فيه، وهي السمة التي يُعدّ فهمها ضرورة أولى لنجاح أي ثورة، لأنّ الثورة السورية جزء من هذا العالم، الذي عليها أن تعيه وتعي مصالحه وتقاطعاته وارتباطاته لتجد لها مكانًا ضمن هذا العالم، وعليه؛ فإنّ بقاء النصرة والتعامل معها ببراغماتية “غبية” يصب ضد الثورة أولًا وآخرًا، فضلًا عن كونه يشكل أداة لتبرير سياسات دول، مثل: روسيا وإيران، خاصة أن “الحرب على الإرهاب” تُشكّل السمة الأبرز لعالم اليوم، وجاءت الأحداث الإرهابية المفجعة التي شهدتها أوروبا أخيرًا، ويشهدها العالم العربي دومًا، لتزيد من تجذّر هذه الرؤية وتصلّبها، بما يعني أن من يدعم أو يبرّر أو يسوّق أو يتعاون مع جهات إرهابية، يضع نفسه بمواجهة العالم أولًا، ويفقد تعاطف العالم الذي تشكل عملية كسبه جزءًا من المعركة الدائرة ضد نظام الاستبداد.

يعكس أيضًا هذا التفكير، عقم (المعارضة) التي لا زالت تفكر على المدى القصير، و بالعقلية نفسها التي سادت بداية الثورة، والتي تستعجل (إسقاط النظام)، أي بدلًا من التفكير الاستراتيجي الذي يبني خططًا طويلة الأمد، تعيد النظر بموضوع العسكرة ونوعية القوى المحاربة (إن كان يراد الإبقاء على العسكرة)، عبر العمل على نبذ كل صاحب مشروع جهادي إسلامي (وليس النصرة فقط)، أي العمل على بناء جيش وطني حر حقيقي، يخضع لإرادة سياسية حرة، أو اجتراح طريق سياسي قادر على تحقيق مطالب الحد الأدنى، إن كان يراد التخلي عن العسكرة، وهذا يحتاج نفسًا طويلًا من العمل والجهد والتراكم والاعتماد على السوريين والثقة بهم، لا على العامل الخارجي فحسب، وهو ما يوصلنا إلى ارتهان المعارضة للقوى الإقليمية/ الدولية التي “تدعم” النصرة وغيرها، وتمدّها بالمال والسلاح، فهؤلاء “أجبن” من التصريح بأن النصرة تنظيم إرهابي، وتجب محاربته الآن وفي كل وقت، بل تبدو أحيانًا مصالحهم ارتبطت بهذا النوع من السياسة المغامرة والمراهنة، في حين أن السياسة تقتضي، أول ما تقتضي، بناء الذات، ومراكمة القوة التي يمكن التفاوض عبرها، مع الصديق قبل العدو، ما يعني أن ألف باء بناء قوة عسكرية للثورة أو سياسية حتى، يعني الاستقلال السياسي والعسكري عن أجندة الدول الخارجية بالحد الأدنى.

إنّ بقاء النصرة وغيرها من التنظيمات التي تحمل رؤية جهادية، تقدّم المادة الأيديولوجية التي يحتاجها المعسكر المضاد لحشد جمهوره، واستقطاب مقاتلين على خلفيات طائفية وعلمانية، عبر إظهار المعركة أنها معركة العلمانية مع الإسلاميين والدولة ضد الإرهاب، لا معركة الحرية ضد الاستبداد، ويبقى يقدّم الحجة للمجتمع الدولي لتقديم أولوية الإرهاب على معركة الحرية ضد الاستبداد، فضلًا عن تحييد قطاعات مجتمعية سورية، باتت ترى في النصرة وغيرها، الخطر الأبرز، وليس النظام.

صحيح، أن بعضًا من القوى التي تحدثنا عنها في الأعلى، تعرف الحقائق، وتعرف أنها تستخدم النصرة كذريعة لا غير، وأنّها لاخترعت غيرها لولا وجودها، إلا أنّ الأصح أيضًا، أنّ الطريق نحو الحرية ودحر الاستبداد لا يمرّ بالنصرة أبدًا، بل يشكل جزءًا من الثورة المضادة، وقبل أن تنتصر الثورة السورية حتى، وهنا قعر المأساة التي بلغتها سورية، والتي باتت تحتاج (رجالًا) و(أفكارًا) تمشي على قدميها بدلًا من رأسها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق