تحقيقات وتقارير سياسية

اتفاقية (سايكس – بيكو) والهوية الوطنية

لطالما تهكّم أبناء المشرق العربي على تلك الاتفاقية التي حملت اسم (سايكس – بيكو)، والتي رسمت الخرائط، ووضعت الحدود؛ لتقاسم مواقع النفوذ، بعد انهيار السلطنة العثمانية إثر الحرب العالمية الأولى، بين عامي 1914 و1918، وعدّوها سبب بلائهم ونكباتهم. في تلك الفترة التاريخيّة كان لنمو مشاعر القومية العربية دور مؤثر في دفع الأحداث قُدمًا، ولعلّ الخلط بين ما هو وطني وما هو قومي، كان عنصرًا مساعدًا في حينها، استغلّه الفرنسيون والإنكليز؛ للتخلص من الحكم العثماني للمنطقة، كقومية مقابل قومية، مع تأسيس كيانات ذات بعد وطني، تلبّي طموحات زعامات محلية، وتتواءم مع خارطة (سايكس – بيكو)، لكنها كيانات غير فاعلة؛ كونها ناشئة تحت ظل الوصاية، ومتّكئة على مقومات العاطفة.

من المرجّح أن راسمَي تلك الاتفاقية لم يتوقعا قبل تنفيذها، أنّ جيوشًا ستنشأ، وتتوسّع، وتُرابط على تلك الحدود، وتستعمل أقصى الإمكانات الرقابيّة؛ لتمنع العبور من هذا البلد إلى ذاك، فعندما قرر الرجلان رسم النفوذ البريطاني والفرنسي في المنطقة، لم ينطلقا من عاطفة قومية عربية، ولا من انتماء وطني للخطوط التي شكّلا منها الكيانات؛ فمارك سايكس، ضابط بريطاني برتبة عقيد، عمل مستشارًا سياسيًّا وعسكريًّا، وفرانسوا جورج بيكو، سياسي وديبلوماسي فرنسي، وكانت خرائطهما تتضمن تقاسم إرث السلطنة العثمانية في المشرق العربي، بالتنسيق مع روسيا القيصرية، لكنّ الثورة البلشفيّة في روسيا، بزعامة لينين عام 1917، كشفت تلك الوثائق السريّة للعلن؛ ما أنقذ تركيا من تقسيم مخطط له بين روسيا واليونان، واقتصرت الاتفاقية على دول عربية.

معاهدة سان ريمون والتقسيم

ما تضمنته الاتفاقية يقضي بأن تكون سوريا الداخلية تحت النفوذ والحماية الفرنسية، وتساعد فيها بأمور الإدارة والتنظيم، بينما المناطق السورية الساحلية على المتوسط، والتي تتضمن لبنان الحالي، مع جزء واسع من الأراضي التركية، تكون تحت السيطرة الفرنسية المباشرة، بينما تكون كل مناطق بغداد والبصرة، مع شريط يحيط بالخليج العربي، تحت السيطرة البريطانية المباشرة، أما العراق الداخلي والأردن، وجزء من فلسطين؛ فتكون تحت النفوذ والحماية البريطانية، وتساعد بريطانيا بالإدارة والتنظيم فيها، في حين تكون مدينة القدس تحت رعاية دولية.

بعد كشف تفاصيل الاتفاقية من قبل روسيا، واحتجاج العرب عليها، أجرت بريطانيا وفرنسا تعديلات عليها؛ ففي المؤتمر الذي عقده الحلفاء في سان ريمون بإيطاليا، لتوقيع معاهدة السلام وإنهاء الحرب، وُضع المشرق العربي تحت ما سمي بسلطة الانتداب، وتم تقسيم سوريا الكبرى إلى أربع دول، هي: سورية ولبنان وفلسطين والأردن؛ لتطبيق معاهدة (سيزر) التي ثبّتت تقاسم النفوذ، وترسيم المنطقة جغرافيًا، وابتدأت الصدامات بين العرب واليهود في فلسطين.

خرج الفرنسيون والبريطانيون -في نهاية المطاف- من الشرق الأوسط، وتركوا خلفهم سورية مجزأة إلى تلك الكيانات، وجزء آخر بقي مع تركيا، وتم إعلان دولة إسرائيل على الأراضي الفلسطينية، بينما بقي الفلسطينيون يبحثون عن كيانهم وحدوده ومازالوا، ومنذ منتصف القرن الماضي أخذت الحدود الجغرافية تتعمق بين دول المشرق، أكثر فأكثر؛ لتصبح خنادق سياسية، لم تكن ذات أبعاد وطنية واضحة تُعبّر عن تلك الكيانات.

استندت تلك الدول إلى الشعار الكبير الأساسي، وهو القومية العربية، إلا أن هذا الشعار ذاته كان زيتًا على نار الصراع السياسي؛ ففي العراق وسورية اللتين حكمهما حزب البعث، ذو الشعار القومي، وصل العداء إلى درجة عدّ ختم الدخول على جواز السفر لمواطن، تهمة كبيرة قد تصل إلى حد وصفها بالخيانة والتآمر، وكذلك الأمر بين سورية والأردن، حيث تم التلاعب بترسيخ الحالة الوطنية لغايات تخدم السلطة السياسية، لا الأوطان، وبالنتيجة وصلت المنطقة إلى كيانات خالية من الترابط والتنمية، ومحطمة من الداخل، بينما تغلّفها الشعارات البراقة من الخارج.

من التقسيم الجغرافي إلى التفتيت الطائفي والاثني

بعد مئة عام على الاتفاقية، أصبح العراق ممزقًا دينيًا وإثنيًا، ولم يعد له مقوّمات الدولة التي أهمّها القدرة على حفظ الأمن الداخلي والسيادة الوطنية، وانتهى إلى شعارات وتحزّبات ما دون الوطنيّة، وكذلك أصبح لبنان بلدًا عاجزًا عن تثبيت مؤسساته السياديّة، وينتظر إشارة من الخارج مع كل انتخابات نيابية أو رئاسية أو تشكيل حكومة، وتتنازعه الاصطفافات الطائفية دون الوطنية، وفي سورية، وبعد الثورة، استقدم النظام كل أنواع المرتزقة والميليشيات الطائفية للدفاع عنه، واستخدم الجيش كأداة له، بدلاً من أن يكون جيشًا عقائديًا قوميًا، وتعامل مع مكوّنات الشعب على أساس طائفي واثني، وعبث بالتركيبة الديموغرافية، وأدخل الإيراني والروسي كجزء من حالة الاصطفاف، وسهّل للتنظيمات المتطرفة؛ لتوجد وتطرح شعارات لا وطنية، وأوصل سورية إلى مرحلة خطر زوالها من الخارطة، في حين أن الفلسطينيين يترقّبون كيف ستستقر خرائط المنطقة، ولا يوجد في أياديهم حيلة، فالأردن يعيش حالة قلق، تجعله غير قادر على التعبير عن مواقف واضحة مما يجري، بينما يحاول المناورة السياسية كي يبعد النيران عن حدوده.

العودة لـ (سايكس بيكو)

إن كان السوري الذي ما زال داخل الوطن يفكّر بساعة أمان، فإن السوري الواقع تحت قسوة التهجير، حتى في الدول التي شكّلت جزءًا من سوريا التاريخية، لم يعد يفكّر بأكثر من العودة إلى سورية التي أنجبتها خرائط (سايكس – بيكو)، كذلك بات اللبناني يفكّر في الدفاع عن حالة ما قبل الوطنية، ويعدّها مكسبًا، وبات يعدّ السوري – شقيق الأمس – مصدر خطر مفترض، ويبذل الأردن جهدًا حثيثًأ؛ للحفاظ على الكيان المرسوم له، وزادت العداوات البينية في الشرق الأوسط، والنزعات التقسيمية، وكثرت المرجعيات الدينية والإثنية، وباتت منطقة نفاذ اتفاقية (سايكس – بيكو) في مواجهة خرائط افتراضية تقسيمية، إن لم تأخذ شعوبها فرصتها في رسم هويّتها الوطنية التي تلائمها.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق