قضايا المجتمع

أيتام سورية حقائق مُرعبة وجهود مناطقية تسعى لهيئة مركزية

يُعدّ ملف الأيتام في سورية، أحد أبرز تداعيات الحرب الممنهجة، التي انتهجها النظام السوري ضد الأحياء والمدن الخارجة عن سيطرته، وتشير الإحصاءات في هذا المجال، إلى حقائق مُرعبة عن مدى توسع خريطة اليتم في سورية؛ ما يضيف أعباءً كبيرة جدًا إلى مستقبل الدولة والمجتمعـ في شتى المجالات، وعلى الرغم من العدد الكبير للجمعيات والمؤسسات العاملة في مجال كفالة الأيتام، إلا أن الأوضاع الموضوعية، تؤكد عدم وجود أي إمكانية حاليًا، لمعالجة ملف الأيتام بطريقة إنسانية مُرضية، حاله كحال الكثير من الملفات النازفة في سورية، والتي باتت بحاجة إلى حل جذري، يبدأ -بشكل أساسي- بإنهاء وجود النظام الذي يُعدّ المسؤول المباشر عن كل ما تعانيه البلاد من مآسٍ وعذابات.

خريطة اليتم بلغة الأرقام

تشير الإحصاءات غير الرسمية إلى وجود أكثر من 800 ألف يتيم في سورية، والحصيلة في ازدياد مستمر؛ نظرًا لاستمرار الصراع، ومواصلة استهداف المناطق السكنية بالأسلحة الثقيلة، وهذا الرقم يؤكد مدى توحش النظام وحلفائه، ضد المناطق الثائرة من جهة، ويشير إلى الأعباء الضخمة التي تحتاج إلى برامج وخطط على صعيد دول، وليس جمعيات أهلية، للتصدي لها.

مشهور نصر الله، مدير العلاقات العامة في (جمعية العمري) لكفالة الأيتام، أكد في حديثه لـ (جيرون)، أن عدد الأيتام في محافظة درعا تجاوز الـ 15 ألف يتيم، منهم نحو 10 آلاف، مشمولون بكفالة الجمعيات المختلفة، في حين تكفل (العمري) 8 آلاف و5 مائة يتيم، بينهم 7 آلاف داخل محافظة درعا، والبقية موزعة على مختلف المناطق السورية. أما في جنوب دمشق، فيؤكد محمد أبو قاسم، من (جمعية بيت اليتيم)، أن عدد الأيتام في المنطقة يُقدر بـ 1500 يتيم، منهم 750 يتيمًا مكفولًا من مختلف الجمعيات، وتكفل (بيت اليتيم) 253 يتيمًا، في حين يبقى أكثر من نصف العدد من دون كفالة حتى الآن.

وبدوره، أوضح عامر أبو الفدا، مدير قطاع الحماية في (منظمة السراج للتنمية والرعاية الصحية)، في تصريح لـ (جيرون)، أن عدد الأيتام في الغوطة الشرقية بلغ نحو 6 آلاف يتيم، جميعهم مشمول بالكفالات، بينما يبلغ عدد الأيتام في الغوطة الغربية، وفق أبو الوفا، 5500 يتيم، والمشمولون بالكفالة لا يتعدون 1500 يتيم فقط. أما في القلمون، فقد بلغ عدد الأيتام ألف يتيم، ولا توجد أرقام دقيقة لعدد الكفالات في المنطقة.

واقع مرير وجهود أهلية تحاول التغيير

تتفق آراء العديد من الناشطين داخل سورية، على أن ملف الأيتام لم يحظَ بالاهتمام المطلوب، سواءً على صعيد الكفالة المادية، أم بخصوص وضع الخطط والبرامج في مجال الدعم النفسي المجتمعي؛ الأمر الذي يؤكده أبو قاسم بالقول: “للأسف لم يحظ ملف الأيتام في جنوب دمشق بالاهتمام المطلوب، فحتى اللحظة، نسبة الكفالات إلى نسبة الأيتام لم ترتق إلى المستوى المنشود، على الرغم من تعدد الجمعيات العاملة في هذا المجال، فمثلًا ضمن مناطقنا، قد يضطر اليتيم أحيانًا إلى الانتظار ستة أشهر من تاريخ تسجيل بياناته، قبل أن يصله الدور، ومعظم الجمعيات لا تصلها الكفالات الشهرية بشكل دوري منتظم، ربما المؤلم في الموضوع أن كفالة اليتيم لا تتعدى الخمسين دولارًا، وعلى الرغم من ذلك، مازلنا عاجزين -حتى اللحظة- عن سد العجز في هذا الملف”، وأضاف: “البرامج النفسية مهمة جدًا للأيتام، ولكن للأسف لم تنفذ الجمعيات العاملة أي مشروع واضح المعالم والأهداف، على صعيد الدعم النفسي المجتمعي للأيتام، وأغلب المبادرات في هذا المجال فردية؛ فجمعية (بيت اليتيم) -مثلًا- بادرت قبل رمضان، من خلال عدد من المتطوعين، إلى تقسيم الأيتام المشمولين بالكفالة إلى فئات، ونظمت لهم نشاطًا ترفيهيًا في الحدائق الموجودة في المنطقة؛ لمعرفة مشكلاتهم، ومحاولة تعويضهم -جزئيًا- عن إحساسهم بالفقدان، ولكن هذا لا يكفي، فنحن بحاجة إلى برامج وخطط واضحة ومتكاملة”، وقبل عدة أشهر حاولت إحدى الجمعيات تأسيس ميتم، ومركز دعم نفسي، لأيتام جنوب دمشق، لكن المشروع توقف”.

لم يختلف “نصر الله” كثيرًا مع “أبو قاسم”، في توصيف الواقع، مؤكدًا في حديثه أنه “ينبغي عدم حصر ملف دعم الأيتام بموضوع الكفالة المادية، بل من المفترض أن تترافق مع إعداد وتنفيذ مشاريع وبرامج مجتمعية، نفسية وتربوية؛ لتحسين وضع الأيتام اجتماعيًا ونفسيًا، مشيرًا -في هذا السياق- إلى أن جمعية العمري نفذت جملة من المشاريع في هذا المجال، آخرها كان مشروع (اقرأ وارتق) الذي انتهى في رمضان الماضي، إضافةً إلى فعاليات، مثل: حفلات لتكريم للطلاب الأيتام المتفوقين دراسيًا، دون أن نغفل أهمية تطوير المشاريع الإنتاجية التي تعود بالنفع على الأيتام؛ بما يساعد في تأمين مستقبل جيد لهم”.

صعوبات العمل

يواجه العمل المدني الأهلي داخل سورية، العديد من الصعوبات، منها: ما يتعلق بطبيعة الأوضاع الموضوعية، ومنها مرتبط بقضايا إجرائية إدارية وغيرها، وفي هذا السياق، قال نصر الله: “لا شك في أن ملف الأيتام من الملفات المهمة والشائكة في الوقت نفسه، ولكن ثمرة العمل في هذا الملف، تجعل جميع الصعوبات والعوائق سهلة وبسيطة، أمام رسم الابتسامة والتخفيف عن الأيتام، ولعل أهم ما نواجه من صعوبات في العمل، هو موضوع التنسيق مع الجمعيات والمنظمات العاملة في المنطقة نفسها، ولا سيما عندما تستهدف خطط العمل منطقة جديدة؛ لضمان عدم ازدواجية الكفالات، ومحاولة تحقيق أكبر قدر من عدالة التوزيع”.

في حين يشير أبو قاسم إلى أن “إحدى أهم الصعوبات التي تواجهنا، هي العدد الكبير للمسجلين، مقابل عدد قليل من الكفالات الشهرية، فمثلًا، قد نسجّل في الشهر الواحد 30 يتيمًا، ويأتينا ما يغطي 10 كفالات فقط، لا سيما أن معظم الجمعيات في المنطقة، تعمل في أكثر من مجال، ونادرًا ما تجد جمعية متخصصة بملف الأيتام”، وأَضاف: “من الصعوبات -أيضًا- أن كل جمعية أو مؤسسة، تعتمد على داعم مستقل، وبشروط مختلفة عن الأخرى، وكثيرًا ما تعيق قلة الثقة بين الجمعيات إعداد برنامج شامل للجميع، ومع هذا، نجحنا مع جمعيات في مناطقنا، بمقارنة قوائم الأسماء المكفولة، وتم الاتفاق ألا يتكرر الاسم في أكثر من قائمة، وأن تستفيد أي أسرة لديها أكثر من أربعة أيتام مشمولين بالكفالة، باثنين فقط، لصالح عائلة أخرى؛ لضمان الوصول إلى أكبر عدد من الأيتام”.

(المناطقيّة) أبرز عوائق العمل الإنساني في سورية

كثيرًا ما يتم الحديث -في الإعلام- عن تحكم الانتماءات المناطقية، في تحديد عمل وبرامج المؤسسات العاملة في الحقل الإنساني داخل سورية، وفي مجالات شتى، لكن نصر الله نفى هذا التوصيف، وأوضح: “ما يجعل مسألة المناطقية حاضرةً دائمًا في تقييم العمل الإغاثي والإنساني في سورية، هو استحالة القدرة على إرضاء الجميع، وقد تحتج بعض الشرائح الاجتماعية، ونتفهم احتجاجها، وفي ما يخص جمعية (العمري)، أجزم بأنها مستقلة في برامجها وخططها وعملها، ولا تتبع لأي حزب أو جهة، وتنطلق في عملها من مبدأين رئيسين: الأول، هو مبدأ الإيثار، والثاني، ابدأ بنفسك، أي: أن يبادر كل شخص من نفسه لكفالة الأيتام قبل أن يطلب من الغير”، لكن “أبو قاسم” خالف قليلًا رأي نصر الله، وقال: “توجد بعض العوامل المناطقية في العمل، لكنها لا تحكم عمل الجمعيات بشكل كامل، فمثلًا انطلقنا من بلدة (ببيلا) بـ 30 اسمًا لأيتام، بحكم وجودنا فيها، ثم توسعنا بعد ذلك؛ لنصل إلى 83 يتيمًا من (بيت سحم)، و62 من (ببيلا)، و46 من (البويضة)، و31 من (يلدا)، و10 من (حجيرة)، و4 من (مخيم اليرموك)، أي أن البداية ترتكز في العمل على المكان الذي توجد فيه الجمعية”. أما أبو الفدا، فقال “حقيقةً، المناطقية لا تحكم عمل المؤسسات، بل قد تتحكم ببعض تفاصيل العمل أحيانًا، فكل منطقة تتعرض لقصف أو حصار أو تهجير ونزوح، تكون الهدف الأول في العمل الإغاثي، وهذا من حيث الكيف، أما عن السبب، فإن الشخص المتضرر من الطبيعي أن يرى نفسه الأحق والأكثر حاجةً، ومن الصعب أن يبني وجهة نظره بطريقة موضوعية”، مضيفًا: في هذه الأحوال، قد تكون جميع المناطق وسكانها بأمس الحاجة إلى مقومات الحياة، وإن اختلفت النسب بينها”.

تتفق أغلبية الناشطين العاملين في مجال رعاية الأيتام، على صعوبة المهمات الملقاة على عواتقهم، ويجمعون على أن معالجة هذه الظاهرة بشكل كامل، غير ممكن حاليًا؛ بسبب القصف الوحشي للنظام، الذي يزيد يوميًا من عدد الأيتام الذين يحتاجون إلى الرعاية، وفي هذا الصدد، قال أبو الفدا: “لا يمكن ضمن الوضع الحالي البحث عن طرق أو أدوات لمحاصرة (خارطة اليتم)، أو وقف توسعها في سورية؛ لأن ذلك لا يمكن أن يحدث دون وقف آلة القتل، وكل ما نستطيعه -الآن- هو تطوير الخطط والبرامج والمشاريع، بناءً على الخبرة المكتسبة من السنوات الماضية للعمل؛ بهدف الوصول إلى أعلى مستوى من التنسيق بين الجميع، بما يقود إلى توحيد الدعم، تحت إشراف هيئة مركزية، بناءً على قاعدة إحصائية، تشمل الأيتام كافة، في جميع مناطق سورية”.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق