قضايا المجتمع

انقلاب تركيا وأرق السوريين في الليلة الفاصلة

لم يكن السوري المقيم في تركيا يتوقع، على مدى خمس سنوات، أن يمضي ليلةً مزدحمةً بالخوف على نفسه وعلى مستقبله، فضلًا عن خوفه على أهل تركيا أنفسهم الذين استقبلوه بكل محبةٍ.
إنها ليلة 15 تموز/ يوليو 2016، عندما حاول بعض ضباط الجيش التركي الانقلابَ على الحكم المدني للاستيلاء على دفة الرئاسة.

أصوات الطيران في الجو، وانتشار بعض المظاهر العسكرية في المدن التركية، فضلًا عن إعلان الانقلابين -عبر التلفزيون الرسمي- عن إسقاط النظام القائم، واستلام الجيش السلطة، أعادوا للسوري صورًا من الموت والخوف والهروب؛ ليصبحَ سؤاله في لحظات: “إذا نجح الانقلابيون، أين سنذهب والبلاد كلها ترفضنا؟”. خوفٌ استمر دون انقطاعٍ، منذ الساعة العاشرة مساء 15 يوليو/ تموز، إلى الساعة الرابعة من فجر 16 يوليو/ تموز، حيث ظهرت ملامح فشل الانقلاب.

ليلة الخوف

يقول علي، وهو لاجئٌ سوريٌّ يقيم في إسطنبول التركية، لـ (جيرون): “إنَّ ليلة 15 تموز/ يوليو، كانت أسوأ ليلةٍ أمضيتها منذ خروجي من سورية عام 2013، حيث كنت بالقرب من منطقة الفاتح، أشرب القهوة مع بعض الأصدقاء، فإذا بخبر الانقلاب يملأ صفحات التواصل الاجتماعي، فأصابتني -حينها- حالةٌ من الخوف المفاجئ الذي لم يعترني منذ سنوات”.

وأضاف في وصف حاله: “عندما بدأت أخبار انتشار الجيش في مناطق من إسطنبول، قفزت إلى مخيلتي صورٌ، أحاول -منذ سنوات- التخلص منها، صورُ اقتحام جيش النظام السوري المدن، وإطلاقِه الرصاص الحي على المدنيين. وما زاد وطأةَ الصور صوت الطيران الذي بدأ يملأ سماء إسطنبول، كان كل مستقبلي على المحك، فكنت أفكر بابني الصغير وزوجتي، ماذا سيحصل لنا؟ إلى أين سنهرب؟ أي الدول اليوم تقبل بالسوري على أراضيها؟ في الحقيقة كانت ليلةً سوداءَ”.

أما سعاد، السورية التي تبلغ من العمر 23 عامًا، وتدرس في إحدى جامعات اسطنبول، فقالت: “في ليلة الانقلاب، كنت أفكر في أمرٍ واحدٍ: مستقبلي وأمنياتي؛ الانقلابيون هم من العسكر، والعسكر لا يُدرك كثيرًا معنى المدنيَّة؛ لأنه يتدرب أن يكون قاسيًا وجادًا، ولا يؤمن بالخيارات المتعددة”.

وتابعت: “كانت أكثر اللحظات خوفًا -بالنسبة لي- تلك التي أعلنت فيها المذيعة -عبر التلفزيون الرسمي للبلاد- عن نجاح الانقلاب، وقرأت البيان الصادر عن الانقلابيين، لحظتها، تحطمت كل رؤاي للمستقبل، بتُّ أفكر بمنزلي وأشيائي، بجامعتي، أفكر، أين يمكنني الذهاب؛ لأنني كنت على يقين بأن كل السوريين في تركيا سيُطردون. لو فعلوا ذلك كانت براميل الأسد هي سماؤنا المستقبلية؛ لأن كل الدول ترفض دخول السوري إلى أراضيها”.

سبع ساعات كان السوري فيها يجلس أمام التلفاز، يرصد كلَّ خبرٍ بدقةٍ وخوفٍ، ويتابع كلَّ تطورٍ بتوترٍ، وأملِ أن ينتهي هذا الكابوس، حتى أن بعض من التقتهم (جيرون) قالوا: إنهم للحظة، ظنوا أنفسَهم نائمين، وكل ما يحدث هو عبارة عن “كابوس، سينتهي في أي لحظة”.

تغيرت الظروف خلال أربع ساعات، وبدأت ملامح فشل الانقلاب تظهر، ليبدأَ معها السوري برسم ابتسامة على محياه، ويستعيد بعضًا من توازنه النفسي. “كانت لحظة نزول الشعب التركي إلى الشوارع؛ لمقاومة الانقلاب وإفشاله بلسمًا لقلبي، وإعادةَ إحياءٍ لكل آمالي” على حد تعبيرسعاد.

انقلاب فاشل وسوري حَذِر

أعلنت الحكومة التركية، صباح 16 تموز/ يوليو، عن سيطرتها من جديدٍ على مفاصل الدولة، إلا أن السوري لم يكن بكامل وعيه حينها، فالخوف لم يغادره، ولم يذهب أكثرهم إلى العمل، منتظرًا ضمان استقرار الحال.

كان حال خلدون كغيره من السوريين، وهو لاجئ سوري يعمل طباخًا في أحد المطابخ السورية، وشرح هذه الحالة، فقال: “لم أجرؤ على الخروج من منزلي صباح اليوم التالي، فالوضع كان مازال متوترًا، وكانت علامةُ الدهشةِ والحذرِ تملأ وجوه الناس في الحي”.

وأضاف: “مع نهاية اليوم التالي للانقلاب باتت الأمور أكثر هدوءًا، فاستأنفتُ عملي، لكن الخوف مازال موجودًا داخلي، البلادُ كلها مازالتْ متوترةً، والحكومة تقوم بعمليات اعتقالٍ واسعةِ الطيف؛ ما يؤكد أن الضالعين في عملية الانقلاب كُثرٌ، وأنا -في النهاية- لستُ إلا لاجئًا ترك بلاده خوفًا من الموت، وأيُّ تطورٍ خطيرٍ على مستوى الأمن، قد ينعكس سلبًا على وجودي في هذا البلد”.

سوريون كثر استيقظوا صباح اليوم التالي للانقلاب الفاشل، وعلى الرغم من فرحتهم بفشل الانقلاب، إلا أنهم فضلوا عدم النزول إلى الشوارع لمشاركة الأتراك في التجمهر؛ معللين ذلك بأنهم لا يريدون أن يتدخلوا في شؤون البلد.

أمير، وهو أبٌ لأربعة أطفال، قال: “مازالت الناس تملأ الشوارع، وهو ما يجعل المشهد متوترًا، لأن ذلك يعني أن الخطر لم يختفِ بعد، والحكومة ذاتها حثّت المدنيين على البقاء في الشوارع، خوفًا من محاولةِ انقلاب جديدة، وعلى الرغم من سيطرة الحكومة على الوضع، واستئصال أغلبية المتورطين في الانقلاب، لكن ضعف حيلتنا وتجربتنا السابقة لحكم العسكر، تُبقي مخاوفنا مُتّقدةً، وتسيطر على كل أحاسيسنا، الحقيقة الوحيدة التي أعرفها هي أنني مازلت خائفًا”.

عكست محاولة الانقلاب الفاشلة كثيرًا من أوجاع السوري ومخاوفه، وأكدت له أن ما من مكانٍ في هذا العالم يُغني عن وطنه الحقيقي، واختصر عليّ مشاعر السواد الأعظم من السوريين قائلاً: “سينتهي الظلم في بلادنا، وننتهي من كابوس الأسد، كما أنهى الشعب التركي كابوس انقلاب العسكر، سنفرح في بلادنا كفرح التركي بانتصار إرادته. لقد قدّم لنا الشعب التركي كل ما يمكنه من عوامل الأمان وحسن الضيافة، لكن، لا بيت كبيت الوطن، ولا راحة لإنسان إلا في وطنه”.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق