تحقيقات وتقارير سياسية

الحياة السياسية والحزبية في سورية وروافع التغيير

مرّت الحياة السياسية السورية بمراحل عديدة، أرّخت بشكلٍ أو بآخر لسورية ما بعد الاستقلال، ومسيرة تشكيل الدولة الوطنية، وعلى الرغم من اختلاف الآراء، حول أسباب ودوافع الانتكاسات التي طالت التجربة السورية، إبان سيطرة البعث على مقاليد الحكم في البلاد، ومن ثم انقلاب الأسد الأب، إلا أن أغلبية من وثّق مراحل انتقال سورية من الانتداب إلى الحكم الوطني، يعدّ أن البلاد عاشت فترةً غنية فكريًا وثقافيًا، عنونتها مفاهيم التعددية والديمقراطية، وتداول السلطة، اعتمادًا على الشعور الوطني الشاهق، واستناد الحكم إلى ما اتفق على تسميته بالبرجوازية المحلية، كبيوت سياسية لعائلات سورية عريقة، أسست -إلى حد كبير- هياكل الدولة، وأرست المعايير الأولى لحقوق المواطنة ودولة القانون؛ الأمر الذي لم يدم طويلًا، بسبب اغتيال التجربة، وتغييب سورية ضمن دهاليز (مملكة الصمت)، بهندسةٍ وتكريس من حافظ الأسد، على مدى أكثر من أربعة عقود.

1 – مرحلة الاستقلال والحكم الوطني

أولًا – الملامح

هذه المرحلة يذهب أغلب من عاصرها، أو قرأ عنها، إلى القول بأنها الفترة الوحيدة التي عاشت خلالها البلاد تداولًا حقيقًا للسلطة، وحكمًا برلمانيًا ديمقراطيًا، إلا أنها لم تدم طويلًا، وانتهت مع انقلاب حسني الزعيم في آذار/ مارس من العام 1949، وهو ما يؤيده رأي الدكتور برهان غليون، أستاذ علم الاجتماع في (جامعة السوربون)، خلال حديث خاص لـ (جيرون)؛ حيث قال: “إن أهم ما ميز تلك المرحلة سيطرة نخبة ليبرالية، تكونت منذ نهاية القرن التاسع عشر على الحياة السياسية السورية والعربية عمومًا، وثانيًا، ارتباطها بشكلٍ كبير بطبقة (الأعيان)، والأسر ذات الوجاهة الموروثة، وبالطبقة الوسطى التجارية التي وُلدت من رحم التحولات الاقتصادية والاجتماعية الحديثة، وثالثًا، تمركزها في الوسط المديني وبشكل خاص أهم مدن الوسط السوري، من حلب إلى حماة وحمص ودمشق، بالمقارنة مع هامشية الريف ومنطقة الجزيرة، وجزئيًا الساحل”، وأضاف: “هذه المرحلة لم تدم طويلًا، في حال أطرناها بين الاستقلال وانقلاب حسنى الزعيم، لكن الواقع أن فكرة الدولة الوطنية، والسلطة الدستورية، وتعددية الأحزاب، وفصل السلطات، وحكم القانون، والمساواة بين المواطنين سياسيًا وقانونيًا، والتي تُشكل جوهر الدولة الديمقراطية، استمرت -عمليًا- نحو ربع قرن، وهذا ما رسخ تقاليد جديدة، لم تكن معروفة في العهد العثماني، وكذلك ثقافة النخبة السياسية الحاكمة، كانت -بالإجمال- ثقافة ليبرالية، تُثمن التعددية وتمارسها، ولم تكن الأحزاب المعارضة بعيدةً كثيرًا عن الأخذ بمعايير التعددية الحزبية”. إلا أن سعد وفائي، الأمين العام لحزب (وعد)، اختلف في بعض حيثيات التوصيف السابق، وقال لـ جيرون: “كحالة توصيف، نعم. تلك الفترة شهدت حياةً سياسية، لكنها كانت بدائية لم يتبلور خلالها مشروع وطني واضح المعالم، وكذلك فقد شاب تلك الفترة شيء من السطحية؛ ما جعلها خاليةً من عمقٍ فكريٍ حقيقي، بالنتيجة، لم نستطع تأسيس دولة ديمقراطية، بل دخلت سورية في عهود الديكتاتورية لاحقًا، وأسباب ذلك كثيرة، منها: قصر الفترة التي عاشت خلالها البلاد حياة سياسية، بمعنى الاستقلال كان عام 1946، وتجربة الوحدة مع مصر (عبد الناصر)، جاءت في عام 1958 ، بالتالي، لم تُمنح التجربة فرصةً حقيقة لتنمو وتتبلور؛ فتصبح أكثر ترسيخًا، بل جاءت الوحدة لتنهي تلك الحياة، وتؤسس لمرحلة خالية من الأحزاب، وحكومة بثقافة الفرد”، مضيفًا: “أن التجربة التي نفتخر بها جميعًا بعد الاستقلال، وجاءت بفارس الخوري كرئيس للوزراء، وأنتجت نوعًا من تداول السلطة، هي أقرب إلى ملامح فكرية إيجابية، تؤشر إلى انفتاح المجتمع السوري، وقدرته على استيعاب وممارسة الديمقراطية والتعددية، أكثر منها ملامح تجربة سياسية عميقة وحقيقية”.

ثانيًا – الأدوار التي مارستها الأحزاب

غليون قال في هذا السياق: إن “الأحزاب السورية لعبت دورًا رئيسًا في تكوين الرأي العام واتجاهاته المختلفة، القومية واليسارية والليبرالية، وكانت وسيلة لنشر الثقافة السياسية الحديثة بهذا المعنى، وثانيًا، أدخلت جمهورًا متزايدًا (وهامشيًا) إلى الحقل السياسي، من الأحياء الشعبية والأرياف، بفعل التنافسية على السلطة بين مختلف القوى، وحاجتها إلى تعبئة أنصار من أجل الاستحقاق الانتخابي، وثالثًا، قدمت إطارًا لتنظيم تداول السلطة والصراع عليها بين التيارات المختلفة المتنافسة؛ الأمر الذي ساهم في انتشار تنظيمات مدنية، أهمها -لا شك- النقابات والنوادي والمنتديات الثقافية والرياضية والاجتماعية، إضافةً إلى الأحزاب والجمعيات الخيرية التي لا يزال بعضها قائمًا حتى الآن، ولم يظهر بديلًا لها، وقبل أن تقضي عليها قوانين الفاشية، كان لها دور كبير في تأطير المطالب الاجتماعية، وتشجيع الصراع السياسي، والتقليل من التطرف والحد من النزوع إلى العنف في الممارسة السياسية”. قي المقابل قال وفائي: “من الصعب الحديث عن حياة مجتمع مدني في سورية خلال تلك الفترة، وهو ما أدى إلى قصور كبير في المفهوم العام للدولة الوطنية، أمام انتشار شعارات قومية، لم تحترم حدود ومفهوم الحكم الوطني المحلي”.

2 – مرحلة البعث ومن ثم حكم الأسد

أولاً – الملامح

يتفق معظم العاملين والمهتمين بالشأن السياسي والحقل العام، على أن استحواذ حزب البعث على السلطة ربيع العام 1963، شكل بداية إنهاء مفهوم الدولة الوطنية، قبل أن يتم اغتياله -تمامًا- مع انقلاب الأسد الأب عام 1970، غليون رأى أن أهم ملامح تلك الفترة يمكن تلخيصها بـ ” القضاء على الثقافة الليبرالية التي كانت تغذي التعددية والروح الدستورية وحكم القانون، وفرض عقيدة أو أيديولوجية واحدة، وتعميم مفهوم السلطة الأيديولوجية، بما في ذلك داخل الجيش ومؤسسات الدولة، والذي قاد إلى تسليم السلطة كاملةً، بكل مستوياتها الفكرية والسياسية والعسكرية والأمنية لفريق واحد، هو حزب البعث وأتباعه، وكذلك حرمان المجتمع من أطر سياسية شرعية للتعبير عن تطلعات الفئات، وقطاعات الرأي العام المختلفة، وبالتالي؛ انتشار العنف والصراعات الدموية، كبديل للحلول السياسية، بما في ذلك داخل تيارات حزب البعث الحاكم نفسه، إضافةً إلى إبعاد الجمهور الشعبي الواسع عن السياسة وتنفيره منها، وتعميم منطق الولاء للسلطة والإذعان لها، دون أن ننسى ترسيخ سياسة الزبونية، بما تغذيه من روح الانتهازية والوصولية، والبحث عن المنفعة الشخصية، وتجاهل المصلحة العامة، وأخيرًا، تقديم الحزبية على الوطنية، وفي ما بعد، تدمير روح الوطنية ذاتها لصالح تحالف السلطة والمال، وسيطرته المطلقة، ودفع البلاد إلى الانفجار والحرب، بعد سد جميع سبل التغيير والإصلاح السلمي، وتجميد الأوضاع عند تخليد النخبة الحاكمة، وأخيرًا، انحطاط النخبة الحاكمة، وتحولها من حزب وحزبية إلى مافيا طائفية ومالية”، وبدوره قال وفائي: “أهم ما ميز هذه المرحلة اغتيال معنى الدولة السورية، بكل مؤسساتها، وشرعنة أو قوننة ذلك الاغتيال بنصوص دستورية، جعلت من البعث قائدًا للدولة والمجتمع، وهو ما سندفع ثمنه لمدىً ليس بالقصير”، مضيفًا: “في هذه المرحلة هناك مشهدان أساسيان: مشهد الديكتاتورية والنظام الشمولي، ومشهد الأحزاب اليسارية والقومية والإسلامية التي انتقلت للعمل تحت الأرض، اتقاءَ ضربات أجهزة الأمن، وهنا، يمكن القول: إن تلك الأحزاب لم تناضل من أجل الوطنية السورية، وإنما من أجل مشاريع أكبر (أممية أو قومية)، لا تعبر عن تطلعات المجتمع السوري ومتطلباته الفكرية والسياسية”.

أمام الواقع الذي فرضته سلطة الأجهزة الأمنية، حاولت الأحزاب البحث عن أدوات جديدة، تُمكنها من الحياة أمام ثقافة التصحّر المراد تعميمها من نظام القمع والاستبداد، فدفعت -خلال محاولاتها- أثمانًا باهظة، لم تطل التركيبة الحزبية فحسب، وإنما تعدتها إلى قواعد اجتماعية عريضة كذلك، بذريعة احتضانها لتلك الأحزاب، وهذا التوصيف أكده الدكتور غليون بالقول: “قاومت الأحزاب -قدر استطاعتها- سياسة الحزب الواحد وحكم الفرد، ثم خضعت، وأصبحت ضحية للسلطة الأمنية، وما تبقى من مجموعاتها التي رفضت الانصياع لقانون القوة والأمن والمخابرات، اضطرت إلى قضاء عمرها تحت الأرض، في عزلة عن الشعب والرأي العام، أو في السجون والمعتقلات، إن لم تتعرض للتصفية الجسدية”.

3 – مرحلة الثورة

يرى بعضهم أن تجربة الثورة الشعبية في سورية ربيع 2011، أعادت الأمل بإنتاج حياة سياسية حقيقة، ترتكز إلى التعددية الحزبية وصناديق الاقتراع، وتنهي عقودًا من الحكم الشمولي الأمني؛ ما ساعد على نشأة أحزاب جديدة من رحم التحولات ضمن مسارات الثورة، واستعادة أحزاب تقليدية لنشاطها من جديد، إلا أن آخرين رأوا أن الثورة أسست لمناخ، يمكن أن يؤدي إلى خلق حياة حزبية سياسية في البلاد، لكن الواقع -اليوم- يؤشر إلى أنه لم تشهد الساحة السورية نشأة أحزاب جديدة، بالمعنى الدقيق للكلمة، وإنما عايشت محاولات تأسيسية، لم ترتق بعد إلى المستوى المأمول، وهو ما يتفق معه غليون الذي قال: ” لم ينشأ بعد أي حزب حقيقي، ولن ينشأ قبل أن تستقر الحياة السياسية، وكل ما ظهر هو محاولات في صفوف السوريين المهجرين والمنفيين، وهذا لا يستقر، وهنا، يمكن القول أن الأحزاب لا تُبنى بعد نصف قرن من التعقيم السياسي، وقتل كل روح نقدية وسياسية خلال سنوات قليلة؛ فليس هناك ثقافة حزبية ولا سياسية ولا حتى إدارية وتنظيمية، كل ذلك قد قُتل، وبصورة منهجية ومقصودة، اليوم يحتاج الأمر إلى وقت أطول، لكي تتهيكل أحزاب حقيقية، ويتغير سلوك الناس، ويدركوا وظيفة الحزب، وكل ما يحصل اليوم، هو تنافس على حجز مقاعد في سورية المقبلة، ولا بناء حقيقيًا بعد”، ولم يختلف وفائي مع الرأي السابق؛ إذ قال: “لم تنشأ أحزاب خلال فترة الثورة، بل كانت محاولات أو اجتهادات لتشكيل أحزاب جديدة، ولذلك أسباب عديدة، أهمهاالأوضاع الموضوعية المحيطة بالقضية السورية، وأهمها الشتات الذي يعاني منه السوريون، وبكل تأكيد، لا يستطيع أي حزب الحديث عن دور فاعل ضمن مسارات الثورة؛ لأنه -وباختصار- دور تنسيقية واحدة من تنسيقيات الداخل، يتجاوز دور كل الأحزاب مجتمعة”.

وعلى الرغم من أن هذه المحاولات مازالت في طور التشكّل، إلا أن كثيرًا من الانتقادات وُجهت لطريقة عملها، وغياب طروحات فكرية نظرية، يمكن ترجمتها إلى خطط وبرامج عمل، بآليات واضحة وممكنة، التوصيف الذي رفضه وفائي بالقول: “أغلب التشكيلات الحديثة -على اختلاف مشاربها- تمتلك رؤىً تعبر -إلى حد كبير- عن تطلعات الشعب السوري، وما تفتقده الطرق والأدوات التنفيذية، وأعتقد أن هذا الأمر يحتاج إلى ثلاثة عوامل أساسية: أولها النضج الفكري، والثاني التمويل، وثالثها التمثيل الجماهيري، ونحن لا نمتلك أيًا منها حتى اللحظة”، في حين عدّ غليون أن أهم المآخذ والسلبيات على التشكيلات الناشئة حديثًا، هي “عدم الاستقرار، بمعنى أنها تنشأ وتموت في الشهر أو العام نفسه، والتشوش الفكري، وعدم انسجام القاعدة الاجتماعية، وعدم الالتزام، وبالتالي؛ هي وسائل فحسب، يحاول -من خلالها- الأفراد لعب دور، لا يزال صعب التحقيق”.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق