قضايا المجتمع

آفاق لتجديد الخطاب الإسلامي

من نافل القول أن تجديد الخطاب أصبح ضرورة لا مندوحة عنها؛ من أجل رفده بديناميات جديدة، تساعده في (تبيئة) المفاهيم المعاصرة، وجعلها جزءًا من بنيته، وعدم الاكتفاء بالتجاور بينه وبينها في الحيّز، أو الدمج التلفيقي الذي يورث الخطاب قلقًا في العبارة، وعجزًا عن المواكبة، لكنّ الأجدى لتجسيد هذا التجديد، هو العناية بالأصول قبل الفروع: (أصول الدين وأصول الفقه)؛ لأن الانشغال عنهما بالفروع، يبقي المحاولات مفتقرة إلى الأساس الصلب الذي يوفق بين رؤى التجديد المختلفة.

تجديد في علم الكلام

أولًا – ربما يكمن الجذر العميق للدور المدمر لعلم الكلام -عمومًا- وطبيعياته -على وجه الخصوص- في منع القدرة على التغلغل السلس لمفاهيم الحرية؛ بسبب اعتماده على ما يرادف مفهوم الحتمية، وهو مذهب الطبائع، وما ينطوي عليه من علّية وضرورة، هو وضعه الطبيعيات في نظرية الوجود، وتجييرها لحساب الثيولوجيا -في مسعى المشتغلين فيه إلى إثبات عقيدة التوحيد- ؛ ولهذا تجد أن محور طبيعياتهم هو دليل الحدوث الذي يقوم على تقسيم الوجود إلى جواهر وأعراض، والجوهر لا ينفكّ عن العرض، وبما أن الأخير حادث، فالأول حادث مثله؛ ما يعني بالضرورة أنه لا بد له من محدث. وهو استثمار للطبيعة والإنسان الموجود فيها في خدمة الثيولوجيا؛ الأمر الذي جعل الطبيعيات خارج نظرية المعرفة، وجعلنا مستوردين -دائمًا- لعلوم الطبيعة، بعد انكفاء أيديولوجيتنا التي يعدّ علم الكلام ممثلها الأساسي على ذاتها، ونفورها من الأبستمولوجيا، التي كان وضع الطبيعيات في صلبها كفيلًا بتجديدها، وجعل تمحورها حول الألوهية، لا يشكل عائقًا أمام تخلّفها، وتخلّف حامليها.

إن الانفصال، أو الهوة الشاسعة، بيننا وبين الحرية الأنطولوجية التي يمثّل امتلاكها شرطًا للحريات الليبرالية، ناتج ليس عما ذكرناه بداية، من عدم اكتراث ايديولوجيتنا بالطبيعيات، إلا في سياق استثمارها للاهوت فحسب، وإنما من وقوعها تحت براثن الحتمية المطلقة الدوغمائية، التي لا تفسح مجالًا لتخلف قوانين الطبيعة المفترضة، ولا تفتح فضاء للإمكان.

فالانفصال مسبّب -بعبارة أخرى- عن التقوقع داخل مفاهيم الحتمية التي فجرتها الميكانيكا الموجية، ونسبية اينشتاين، العامة والخاصة، التي ألغت فهم الزمان المطلق والمكان المطلق، وجعلت الزمن بعدًا رابعًا، وأدخلت المراقب كمتغير في المعادلة لا يمكن إغفاله، والتي أثبتت أن الاحتمالية من طبيعة الأشياء، وليست ناتجة عن قصور معرفة الباحث، ولا قصور أدواته، وأن الجوهر الفرد -بتعبير المتكلمين- محض خيال بعد انشطار الذرة، وتحول المادة إلى طاقة، واكتشاف الطبيعة المزدوجة للأشياء الموجية والجسيمية، ومبدأ “هايزنبرغ” في اللاتعين الذي جعل الحتمية أثرًا بعد عين، وحول القضية المنطقية المشار إليها سابقًا، إذا كان… فإن دائمًا إلى الصيغة: إذا كان… فإن بنسبة معينة.

إن تجديد علم الكلام بقطيعة معرفية تستوعبه وتتجاوزه، وتجسيد ذلك -عمليًا- بوضع الطبيعيات في نظرية المعرفة، وليس في نظرية الوجود، وهو ما يتطلب استيعاب ما تحقق في فلسفة العلم المعاصر من نفي للحتمية، هو أحد الآفاق الممكنة لتجديد الخطاب.

ثانيًا – إن الانشغال بالسؤال حول علاقة الصفات بالذات الإلهية، يمكن أن يعدّ سببًا معوقًا لاستقلالية الذات؛ لأنه يعبر عن إهمالها، وعدّها ذاتًا محوزة مع ما تملكه لله.

إن الهوة التي تفصل بين آخر ما وصل إليه تطور مفهوم الذات وحيازاتها من جهة، وبين المفهوم الديني من جهة أخرى، يمكن توضيحه بحصر علاقة الذات بحيازاتها بهذه الاحتمالات: أنا إما مالك لحيازاتي، أو حارس عليها، وملكيتها لذات أخرى، وهو تصور المسيحيين الأوائل الذين يعدّون الملك جميعًا لله والمنظومات اللاهوتية الأخرى، أو مؤتمن عليها ولا حاجة للزعم بملكيتي لها أو ملكية غيري، أو الادعاء الاجتماعي العام بالحق على الحيازات الطبيعية.

إن المشكلة كامنة في التوفيق بين الاحتمال الثاني الذي يعدّ الذات حارسة على حيازاتها -وهو ما تقره المنظومات اللاهوتية- من جهة وبين ما تشترطه الاستقلالية التي تتضمن ضرورة أن يكون ثمة حيازات مملوكة للإنسان.

وبغض النظر عن التطور الذي حصل للنظرية الليبرالية، فإن القاسم المشترك بين تنويعاتها، هو رفض مفهوم الحراسة الديني؛ لأنه يجرد الذات من استقلاليتها وهو كفيل بدوره بإضعاف مفهوم العدالة.

إن المطلوب هو الهبوط بالاهتمام بالذات من السماء إلى الأرض، فالذات الإلهية لم تعد مظنّة الخلاف، وصار الانشغال الأساسي هو حرية الفرد واستقلاليته وامتلاكه لإرادته.

تجديد في أصول الفقه

أولًا – على الرغم من أن مقاصد الشاطبي تعد مرجعية مهمة جدًا للكثير من المنظرين الإسلاميين المعاصرين، في بحثهم عن تأصيل إسلامي لمفاهيم معاصرة، فإن نظرية المقاصد الشاطبية تعاني-بحسب طه عبد الرحمن- من عيوب يمكن إيجازها بالتالي:

التقسيم الخماسي للمصالح (الدين والعقل والنفس والنسل والمال) لا يستغرق كل المصالح، ومعروف أن من قواعد التقسيم الصحيح أن يشمل كلّ الأقسام، فمثلًا لا وجود لمصلحة العدل، وهي مصلحة بالغة الأهمية من منظور إسلامي وغير إسلامي، فهذا العيب الأول.

من شروط التقسيم الصحيح أن تتغاير الأقسام، ولا تتداخل فيما بينها، والنفس والعقل لا يتغايران تغايرًا كليًا، فهذا العيب الثاني.

من شروط التقسيم الصحيح أن تكون الأقسام جزئيات تندرج تحت الكلي، ومصلحة الدين لا تندرج تحت مصالح الشريعة، بل تتطابق معها، وهذا العيب الثالث.

إن عدّ مكارم الأخلاق من ضمن التحسينيات، حطّ لها من مقام عال، إلى مقام كماليّ لا يليق بها، وهذا العيب الرابع.

إذا أعيد النظر في مقاصد الشاطبي ولوحظت هذه الهنات فيها، فإن الأحكام المشتقة، -بالاستناد إليها- ستكون أكثر قدرة على مواكبة أحوال العصر، وأكثر مرونة في الاستجابة للمستجدات التي تطرأ على حياة المسلمين.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق