كلمة جيرون

نحن السوريين

نحن السوريين شعب عريق، متجذر في الزمان والمكان، ومن كان له هذه الجذور والعروق يصعب عليه أن يموت بسهولة. كان لنا الفضل في اختراع اﻷبجدية والآلهة والموسيقى؛ نحن (أورنينا) جدّة الفنون، وأول من غنَّت على سطح الأرض، والتي عاشت في معبد (عشتار) السورية، ومارست الغناء والرقص والموسيقي في مدينة ماري جنوب دير الزور. قد لا نكون نحن من اخترع اللغة، لكننا نحن -بالتأكيد- من اخترع الأبجدية، وقد لا نكون نحن من ابتكر الموسيقى، لكننا نحن -بالتأكيد- من ابتكر أقدم نوتة موسيقية كاملة، منقوشة على رقيم فخاري، وبنى أقدم مدينة مأهولة في التاريخ.

في دمنا تنبض آلهة الخصب عشتار، وسوف ننهض من دمنا، كما ينهض تموز من اليباس؛ فمن كان له مثل هذه الجذور يصعب عليه أن يموت، ولا بد أن يبرعم ويورق من جديد. لقد أثبتنا للعالم أننا كما الأشجار، لا نموت واقفين فحسب، بل نحيا -أيضًا- ونحن واقفون. ننهض من تحت رمادنا ونزهو ونزدهر. نرتدي ثيابنا عند قدوم الصيف، ونتعرى كما يشتهي الخريف والصقيع. نعرف كيف نمنح الدفء والفيء للزارع والنجار والحطاب، وكما نتقن صنع النوافذ والأبواب، نتقن صنع التوابيت.

نحن معبد (بل) التدمري و(جوبيتر) الدمشقي، الذي كان معبدًا لإله العاصفة والرعد (حدد) الآرامي؛ ونحن، نحن الأمويون؛ محي الدين بن عربي، وقلعة حلب، والمتنبي، ومهيار الدمشقي، وصلاح الدين، والجامع الأموي، وبابه الشرقي العظيم (جيرون) الذي أحرقه وأتلفه الغزاة مرات عديدة عبر آلاف السنين، وما زال حتى اليوم يقف شامخًا وشاهدًا على عظمة السوريين.

نحن أم الصبي، وجوهرة التاريخ والجغرافيا، لسنا أقل شجاعة من أهالي روما المحروقة، أو أهالي لينينغراد المحاصرة، أو نساء وأطفال برلين المدمرة أو هيروشيما العظيمة أو غروزني. نحن جميع تلك المدن، وشعبنا مثل كل شعوب الأرض التي أرادت أن تبني لأولادها عالمًا أجمل؛ فثارت ودفعت ثمن الحرية دمًا ودمارًا وتشردًا.

نحن كثير كالنحل، أجيال تنبت من لحم الأرض، غابات من البشر، ما أغلقت النوافذ يومًا في وجه الشمس، وأبوابها ما زالت مشرعة لكل أنواع الطيور، عصافير كانت أم صقورًا جارحة. نحن جذوع وأغصان أعجزت النارَ وفؤوسَ الحطابين عبر الزمان، وسوف تهبُّ لتنسج ثيابها ببراعمها، وتحيك من أوراقها كفنا لأبنائها، ومن لحائها تابوتًا لقاتلها ولمن غدر بها.

نحن السوريين لا شيء يشبهنا كما الأشجار/ تفرش فوق العشب طرحتها/ ليدوس عليها حاميها وحراميها/ وإن هُزمت أمام خريفها يومًا/ انتصرت جذورها فيها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق