اقتصاد

مجانية النقل العام في إسطنبول كقيمة اقتصادية

كان يمكن لنتائج الانقلاب الفاشل أن تكون كارثية على الاقتصاد التركي لو أنه نجح، أو لو أحجم الناس عن النزول إلى الشوارع والأسواق في ما يشبه حظر التجول، لكن إصرار الناس على ملء الساحات احتفالًا بفشل الانقلاب، وإدارة الحكومة لهذه الظاهرة غير العفوية، كانت لها مفاعيل اقتصادية، جنّبت الاقتصاد التركي السيناريو المتشائم المتوقع في مثل هذه الحالات.

الترجمة المادية لفكرة أن الأتراك نزلوا إلى الشوارع دفاعًا عن الديمقراطية، هي أنهم نزلوا دفاعًا عن الأمان والاستقرار، وعن متوسط دخلهم الفردي السنوي الذي بلغ عشرة آلاف دولار عام 2011، ارتفاعًا من أقل من خمسة آلاف دولار عام 2002، عندما فاز حزب العدالة والتنمية في أول انتخابات نيابية، وشكل الحكومة منفردًا، واستمرّ في حكم تركيا، دون انقطاع منذ ذلك التاريخ.

في الأيام التالية للانقلاب، تمتع الأتراك والمقيمون في تركيا، وفي إسطنبول خاصة، بالنقل المجاني في وسائل النقل العامة كافة، وتم تمديد الحالة أربع مرات، حتى آخر تموز/ يوليو، بعد الانقلاب الفاشل في 15 من الشهر نفسه.

في الظاهر يبدو أن قرار مجانية النقل كبَّد الدولة خسائر، تعادل مئات ملايين الدولارات، لكن النظر في تفاصيل ما جرى فيه كلام آخر.

يبلغ عدد سكان إسطنبول وزوارها من الولايات التركية والسياح نحو 20 مليونًا في النهار (توقعت هيئة الإحصاء التركي أن يبلغ عدد سكان إسطنبول عام 2015 نحو 14.6 مليونًا).

وإذا افترضنا أن 20بالمئة من هؤلاء، أي 4 ملايين، كانوا يتنقلون يوميًا خلال الأيام التالية للانقلاب؛ فإن وسائل النقل العامة نقلت 80 مليون إنسان في إسطنبول، هذا إذا افترضنا أن الاستخدام يقتصر على رحلتين للذهاب والإياب فقط، خلال عشرة أيام.

هذا يعني أن الدولة خسرت -على الأقل مئة- مليون دولار (وسطي سعر التذكرة دولار واحد)، إذا لم نحسب اهتلاك وسائل النقل وتكاليف صيانتها.

إضافة إلى الهدف السياسي – النفسي لنزول الناس إلى الشوارع في الأيام التالية للانقلاب، وما شكّله هذا من رعب للجنود الانقلابيين، بمعنى أن المتوقع كان أن تخلو الشوارع من الناس، وبالتالي، نشر الرعب واستسلام الدولة ونجاح الانقلاب. شكلت حركة الناس رافدًا للسوق، يقترب من الحركة الطبيعية.

وبالمعنى النفسي، المؤثر -حتمًا- في الاقتصاد، تماسكت الليرة قياسًا على حجم الاضطراب المتوقع في مثل هذه الحالة، ولولا تعديل “ستاندرد آند بورز” توقعاتها للتصنيف الائتماني السيادي لتركيا، من مستقرة إلى “سلبية”، لبقيت الليرة أعلى من أدنى سعر بلغته العام الماضي في أيلول/ سبتمبر الماضي، عند سعر 3.0750، عقب اتخاذ قرار إعادة الانتخابات النيابية، بعد فشل المشاورات بتشكيل حكومة ائتلافية، لكن سعر الدولار وصل بعد تعديل التصنيف الائتماني إلى 3.0769 ليرة تركية، كأدنى سعر لليرة التركية الجديدة.

بالطبع، كان للحكومة، والمصرف المركزي التركي، إجراءات لحماية الليرة من الأزمة التي تعرضت لها، ومن شهوات المضاربين داخل تركيا، وخارجها، في مثل هذه الحالة.

وبحسب نائب رئيس الوزراء التركي، محمد شيمشك، باع “مواطنون أتراك” ما يقارب 9 مليارات دولار، دعمًا لليرة حتى 26 تموز/ يوليو.

وكملاحظة أولية، تحتاج إلى إحصاءات موثقة؛ لتكون أكثر من مجرد ملاحظة، لم تخسر الدولة التركية شيئًا من وراء تكبدها تكاليف النقل المجاني، فـ “السياحة” الداخلية ما بين أطراف إسطنبول ووسطها الأوروبي الذي شهد معظم حركة الناس، باتجاه الساحات والأسواق، واستمرار حركة العمل والتجارة، كل ذلك شكل نوعًا من الحياة الاقتصادية الطبيعية، أو شبه الطبيعية، في أسواق منطقة “فاتح”، وسلطان أحمد، وبيازيد، وشارع الاستقلال، إضافة إلى أسواق الأحياء التي يشكل بعضها مدناً كبيرة من حيث الكثافة السكانية.

حركة أربعين مليون إنسان بالغ في اسطنبول، في البيع والشراء، وفق حركة النقل، خلال عشرة أيام، أنقذت الأسواق من ركود وقتي كان متوقعًا على مستوى الإيرادات المتحققة من ضريبة القيمة المضافة، المطبقة في تركيا بعدالة وذكاء؛ بحيث تراعي دخول الطبقات الفقيرة والمتوسطة، و”تقتص” من أصحاب الدخول العالية الذين يستهلكون سلع الرفاهية، والسلع المستوردة.

ومما رصدناه -عيانًا- في ساحة تقسيم في إسطنبول، وشارع الاستقلال المتفرع منها، كانت أعداد الداخلين والخارجين من المكانين شبه طبيعية، لكنها أقل من المعتاد أيضًا؛ نتيجة تراجع كبير في عدد السياح الأجانب.

ووفق تقديرنا الشخصي، الحركة كانت أقل بما لا يزيد على الثلث، مع ملاحظة أن السياحة متراجعة بشكل كبير منذ بداية حزيران/ يونيو، وليس بسبب الانقلاب فحسب.

و ووضعًا في الحسبان أن ثلاثة ملايين زائر يمرون يوميًا، قصدًا، أو عرضًا، من شارع الاستقلال، وفق رقم مقدر شائع، ومع افتراض أن السواح والمتوجسين أمنيًا يبلغون مليون شخص يوميًا، فإن زهاء مليوني شخص ظلوا يزورون الاستقلال وساحة تقسيم، بحيث بدا الزائرون للشارع، ورواد المقاهي والمطاعم والبارات، في حركة شبه طبيعية، أيضًا.

هذا يعني أن 20 مليونًا زاروا ساحة تقسيم خلال عشرة أيام، أي: نصف العدد الذي افترضناه من مستخدمي وسائل النقل المجانية.

وبافتراض أن متوسط إنفاق الشخص 10 دولارات يوميًا، ستكون الحصيلة 200 مليون دولار، تتلقى منها الدولة 10بالمئة كضريبة قيمة مضافة (TVA)، أي 20 مليون دولار؛ هذا من رواد ساحة تقسيم وشارع الاستقلال فحسب؛ ما يعني -بناء على الافتراضات نفسها- أن الرقم سيتضاعف إلى 40 مليون دولار في إسطنبول وحدها.

وبتعميم هذه الافتراضات على عموم تركيا، حيث يشكل سكان إسطنبول خمس عدد سكان تركيا، البالغ 79 مليونًا، ستبلغ الحصيلة 200 مليون دولار.

وإذا أضيف إلى هذه المساهمة “العفوية” في استمرار الحياة الطبيعية اقتصاديًا، وهي في الحد الأدنى، لأي سائح داخلي (سندويشة، كأس شاي، فنجان قهوة، أو مشروب غازي… إلخ)، مساهمات قطاع التجار والاقتصاديين المتوقعة (وهي غير منظورة، أو محتسبة)، فإن الحكومة تكون قد عوضت -على الأقل- ما فقدته من إيرادات قطاع النقل، كي لا نقول: إنها ربحت محاسبيًا من منح الأتراك والمقيمين والسياح فرصة التنقل مجانًا ثلاثة عشر يومًا، حتى 27 تموز/ يوليو.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق