هموم ثقافية

الصرخة السوريّة

 

  • علماء الفيزياء يخترعون نظامًا للاختفاء الزمني، وهو يجعل حدثًا ما، غير قابل للرصد لجزء من الثانية. الجهاز لا يقوم بإخفاء الحدث في مكان ما عن العيون، لكنه يحجبه عن الأنظار (في الزمن). هذه الثغرة في الزمن، مدتها 50 بيكو ثانية. خُصصت ميزانية ضخمة لفريق في جامعة كورنل في نيويورك، لمتابعة الأبحاث باتجاه الاخفاء -الزماني المكاني- في المستقبل.

 

  • إنه هدر للوقت والمال، ندعوكم إلى الاستفادة من “العلماء السوريين”؛ لتعرفوا كيف تم إخفاء المكان والزمان والحدث والحقيقة. يكفي أن يكون لديكم، قناة الدنيا، والتلفزيون السوري، وحافظ الأسد وذريته، وكشكًا في الكراجات، يذيع الأغاني وشعار البعث؛ ليبتلع الثقب الأسود حضارة 7000 سنة، في أربعة عقود.

 

  • يمكن أن يكون لك -في كل شيء- موقف أو رأي مختلف. يمكن أن تقول ما تشاء، وتعبر كيفما تشاء. يمكن أن تساند الثورة في النهار، وتصبح ذليلًا أمام “زوجك” في الليل. يمكن لك أن تحتقر من تشاء، وتحب من تشاء، وتُظهر وتخفي ما يخدم أناك وأنانيتك، ومصالحك الصغيرة والكبيرة. تكتب كلمات مغموسة بالحرية، وأنت ممعوس تحت سطوة مؤسسات خربة، كالزواج والعمل والتجمعات الحيوانية المدهشة، ومرتهن لممول أو تمويل.  يمكن أن تدّعي ما تشاء ساعة تشاء؛ ترى أصدقاءك وهم يتقنون الخداع مثلك تمامًا، أو يزايدون عليك بادعاء المعرفة والنصح. يمكن أن ترى الثورة في سورية بحسب مزاجك أو مزاج من يحدثك، تجترح عنها فكرة نقية أو تلوثها بفكرة غبية. كل الاحتمالات واردة ولكن: أخي السوري وغير ذلك، أخي العربي المحروق قلبه على قلعة الصمود والتصدي، وغير ذلك، أخي الإنساني والحيواني والنباتي وغير ذلك… الاختلاف بالرأي حول شعب يُذبح؛ لأنه خرج من أجل كرامته؛ فتعرض للإبادة، يفسد الودّ والقضية.

 

 

  • ولأني لست بصارخ حقيقي؛ لأني أخاف أن تُستثمر صرختي في برنامج من طراز الاتجاه المعاكس، ولأني لا أعرف ماذا تحمل صرختي، هل هي صرخة ثائر أم مُثار، صرخة جائع أم متخم، محق أم محقوق. هل هي صرخة وطن أم صراخ في وجه الوطن؟! كان عليّ أن أبحث عن تلك الصرخة الأولى، عن نقائها وقيمتها، وأتساءل ماذا تفعل الآن..

 

  • الصرخة التي خرجت من الشهيد، كسرت الزجاج العازل، زحلت مع الماء في الوديان، دخلت كهف الصمت، فخخت الأوهام المبتلعة، حركت كل ما تنكّس، رجّت الزمن المكدس في “قطرميز” الموت.

 

 

  • الصرخة الواضحة الصريحة، قرعت أجراس المدن الناعسة؛ كشطت سخام السكون، وأعادت للحناجر مهمتها الأثيرة، وللمحاجر قدرتها المثيرة على مقاومة المخرز والخارز. الصرخة عادت بعد أن جالت سورية من أقصاها إلى أقاصيها، تبحث عن الفم الذي خرجت منه؛ فلم تجده. أعيدوا لها الفم الذي خرجت منه. ذلك الثغر الباسم الفريد، تلك الشفاه الراجفة المشتاقة لتقبيل كل حَجر في أرض البلد، كل حُجيرة في جنة البلد، كل محجور عليه باسم أمن البلد. الصرخة التي لم أنم منذ سمعتها، تلك الصرخة أه منها. هل رأى أحد منكم بلدًا على هيئة صرخة!؟

 

  • الشمس غائبة ولكن لها سمات وجهك. صوت الأرض عويل طويل، والنذل يستلذ بتقشير حزوز صدرك. شرشف مبقع بلطخات الحبر الموارب،
    عيون مبادة، مع فهرس كامل لتظليل معانيك. أشلاء بزوائد ترفرف في فضاء زائد. أضحى جسدك سماء واطئة. أستفيض بك وأستجير وأنتفض باكرًا؛ فلم تعد أصابعي تقوى على الكتابة، أصبحت أكواعًا يا سورية؛ يا أقسى المفردات التي يمكن للحلق المدبس بالمسامير، البوح بها. صباح الخير: يا سورية.

 

 

  • سيبقى إيمان محمد العربي أعظم إيمان امتلكه بشري عبر التاريخ.
    وسيبقى حديثه، حين تمت مساومته على ثورته، أشرف ما يمكن لبشري ان يُشرق به: “والله، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي، على أن اترك هذا الأمر ما تركته، حتى يظهره الله، أو أهلك دونه”، تمت خيانة محمد بن عبد الله في كتب التاريخ، لكن ثورته لم تتوقف، تمت عشرات المجازر باسمه وتحت رايته، ولكن ثورته استمرت. ترمّدت أفكار وأجساد القتلة وشيوخ الفتنة، وكنس التاريخ أثار جرائمهم، وبقيت ثورته، تنجب ثوارًا في الفكر والعقل والمخيلة. من الحلاج إلى محي الدين ابن عربي، من ابن رشد، إلى لسان الدين ابن الخطيب، أسماء وأنباء، ودول وممالك، خير وشر، ولكن ثورته استمرت. اليوم كل ثائر حق فيه روح نبي، وله ضدٌّ يستخدم اسم النبي، وحقيقة أبي جهل. كل ثورة مشروع “ديانة” مليئة بحروب الردة، ولكن لا أحد يستطيع إيقاف الوحي. القاسم المشترك بين كل الطغاة نهايتهم الحتمية. القاسم المشترك لتجذرهم، تربة غنية بأشباههم، ينتعشون بها، وتعتاش عليهم.

لا يوجد طاغية من دون فقيه وتاجر؛ الأول يتولى إعطاءه شرعية السماء، والثاني يكدس له ومنه ثروات الأرض؛ ليشتري له الأتباع والحماية. القاسم المشترك لدكتاتورية الفساد والقمع وصك الغفران الديني، وعدو وهمي لقتل الناس باسمه. وفي بلاط كل دكتاتور -حتمًا- شاعر ومهرج وقواد واتحاد كتبة وأدونيس.

 

  • أريد أن أذكر كل نجم، كل شخص، كل مغني، كل كاتب، كل من منحته الثورة منبرًا. لست أنت من قدم لها مهما قدمت؛ بل هي التي صنعتك. هذه الدماء المتجلدة في العروق، قوافل البشر من النازحين في بلاد الله؛ ممن أعطوك كل الفرصة؛ لتقول وتستخدم وجعهم، آلاف الصرعى ممن صُنعت بآلامهم أكبر ملحمة إنسانية، منذ 3000 آلاف عام، هؤلاء من منحوك ما أنت فيه، ومنحوني حياتي بعد أن كانت مُلكا للتجاهل والصمت والخوف. لا شكر لي ولا لك، لا قيمة لي ولا لك، من دون هذه الثورة. لا فضل لي ولا لك عليها، هي التي تفضل علينا إلى أخر أيامنا، ونحن من نتشرف بالانتساب إليها، ونرجوها، ونقبّل أقدام أطفالها أن تقبلنا فيها. أمّا من ينتظر من الثورة أن تكون مفصّلة على مقاس حلمه ورومنسيته وثقافت؛ فهذه الثورة لا تناسبه وهي ليست له، وهو ليس ابنا لها. أنصحه كما نصح أحدهم -يومًا- الباحثين عن السهولة في قحل الرغبات الخصية:

لا تجلس مرتاحًا بين الركام؛ لتشكل أحجية من تجميع اللقى.

لا تختار بين داعش والأسد.

“لا تستوحش طريقًا لقلة سالكيه”.

لا تظن أن الثورات تنتصر، من دون أن تستوفي البلاد ديونها من الجميع.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق