ترجمات

الولايات المتحدة والناتو يحضّران لحرب ضخمة ضد روسيا

تعكس تدريبات عسكريّة ضخمة، وإنشاء وحدات عسكريّة جديدة، في خاصرة الناتو الشرقيّة إستراتيجيّة جديدة وخطرة.

جنود من الجيش الأميركيّ ينتشرون في إستونيا (رويترز/ انتس كالنينس)

 

لأوّل مرّة منذ ربع قرن، ستكون احتماليّة الحرب –حرب حقيقيّة بين القوى العظمى- مطروحةً على أجندة قادة الغرب، عندما يلتقون في قمّة حلف الناتو في وارسو/بولندا، (اجتمعت القمة في الشهر الماضي 8 و9 تمّوز/ يوليو). فإلى جانب نتيجة تصويت “البريكزيت” في المملكة المتّحدة، ستهيمن النقاشات المتعلّقة بخطط تقوية خاصرة الناتو الشرقيّة (القوس المشكّلة من دول الاتّحاد السوفياتي الأسبق، والممتدّة من دول البلقان إلى البحر الأسود، والمتحالفة الآن مع الغرب، لكنّها تخشى عدوانًا روسيًّا) على أجندة مؤتمر وارسو.

لم تحظَ إمكانيّة هجوم كهذا، وإلى وقت قريب، إلّا بالقليل من المصداقيّة في الدوائر الاستراتيجيّة، لكن يرى كثيرون في الناتو، الآن، أنّ حربًا ضخمة قد تكون ممكنة، ويرون بالتالي؛ وجوب تشييد معايير دفاعيّة متينة.

 

من المحتمل أن تكون الخطوة الأكثر أهميّةً، في مؤتمر وارسو، هي إعطاء الموافقة الرسميّة، لخطّة تحريك أربع كتائب متعدّدة الجنسيّات، على طول الخاصرة الشرقيّة، كتيبة واحدة في كلّ من بولندا وليتوانيا ولاتفيا وإستونيا، وعلى الرّغم من عدم قدرة تلك الكتائب، على إيقاف اعتداءٍ روسيّ، سيكون دورها كالشرارة التي تدفع الجنود، من دول حلف الناتو المختلفة، إلى خطّ النار ضامنةً بذلك ردًّا واسع النطاق، و شاملًا كلّ دول التحالف.

سيكون من المفروض أن يردع إجراء كهذا روسيا، في المقام الأوّل، من اتّخاذ أيّ خطوة، أو أن يؤكّد هزيمتها، فيما إذا كانت من التهوّر بمكان، للإقدام على الحرب.

ستؤدي الولايات المتّحدة، وبكلّ تأكيد، دورًا كبيرًا في تلك المبادرات؛ فلن يقتصر على المشاركة في تزويد الكتائب الأربعة -متعدّدة الجنسيّات- بالجنود فحسب؛ إنّما سيمتدّ ذلك إلى اتّخاذ العديد من الخطوات، أحاديّة الجانب، لدعم خاصرة الناتو الشرقيّة؛ حيث سيزيد إنفاق البنتاغون على خطّة “مبادرة طمأنة أوروبا” بمعدّل أربعة أضعاف؛ ليقفز من 789 مليون دولار أميركيّ في عام 2016 إلى 3.4 مليار دولار في 2017، سيُوظّف معظم ذلك التمويل الزائد في نشر كتيبةٍ مشكّلةٍ من فريق قتاليٍّ مدرّعٍ  إضافيّ، على أساس التناوب، في أوروبا الشماليّة.

وكمؤشّرٍ إضافيٍّ إلى عزم الولايات المتّحدة والناتو التحضير لحربٍ محتملةٍ مع روسيا، أطلق التحالف، مؤخّرًا، أضخم مناوراتٍ عسكريّة، في أوروبّا الشرقيّة منذ نهاية الحرب الباردة، والمعروفة باسم “أناكوندا 2016″، وقد شارك في التّدريبات نحو 31000 عسكريّ (نحو نصفهم من الأميركيّين)، والآلاف من العربات القتاليّة الآتية من 24 دولة، وشملت المناورات محاكاة لمعارك جرت على امتداد بولندا، وبالتوازي مع ذلك، جرت مناوراتٌ عسكريّة بحريّة –بالتوبس16- حاكت معارك عسكريّة بحريّة في بحر البلطيق، بعضها جرى قرب “كالينينغراد”،  الجيب الروسي المحصور بين ليتوانيا وبولندا.

 

تعكس الخطوات تلك كلّها –التدريبات العدوانيّة، تعزيزات الناتو، انتشار القوّات الأميركيّة- رؤية إستراتيجيّة جديدة وخطرة في واشنطن؛ فبينما كانت الاستراتيجيّة المسبقة تركّز على الإرهاب، وعلى مكافحة التمرّد، فقد انتقلت الآن إلى التركيز على الحروب التقليديّة بين القوى العظمى، حيث قال وزير الدفاع الأميركي “آشتون كارتر” بتاريخ 2 شباط/ فبراير، عندما كشف عن ميزانيّة البنتاغون للسنة الضريبيّة 2017، والبالغة 583 مليون دولار أميركيّ: “إنّ المناخ الأمني اليوم مختلف وبشدّة، عن المناخ الذي ساهمت فيه الولايات المتّحدة خلال آخر 25 سنة”، ومن ثمّ أشار إلى أنّ القوّات الأميركيّة كانت، وإلى وقتٍ قريب، مٌجهّزة لهزيمة المتمرّدين والقوى غير النظاميّة، كحركة طالبان في أفغانستان، لكن في الوقت الحالي، فإنّ البنتاغون جاهز للعودة إلى “سباق القوى العظمى”، بما يتضمّنه الأمر من احتمال قيام حرب كبرى مع “أعداء ذوي مستوى مرتفع” كروسيا والصين.

فبمجرّد الإعلان عن عودة التنافس بين القوى العظمى والتحضير لحرب مع روسيا، بدأت الولايات المتّحدة والناتو بتجهيز القوّات التي في إمكانها، في نهاية الأمر، الوصول إلى ذلك الهدف و بدقّة.

من الطبيعي أن يترتّب على تبنّي “سباق القوى العظمى” بوصفها إستراتيجيّة موجّهة لسياسات الولايات المتّحدة الأميركيّة، نتائج هائلة على صعيديّ الميزانيّة، وانتشار القوّات.

خلال الحرب الباردة، كان من المفروض، وبشكل عام، أن تكون مهمّة جيش الولايات المتّحدة الرئيسيّة، هي التحضير لحرب شاملة مع الاتّحاد السوفياتي، وكان على تلك التحضيرات، أن تضع تصوّرًا لتصعيدٍ نووي، ومنذ ذلك الوقت، فقد مرّت القوّات الأميركيّة بالكثير من المعارك الطاحنة في الشرق الأوسط وأفغانستان، لكن لم تتضمّن في أيٍّ منها قتالًا مع قوّة عظمى أخرى، كما لم تشتمل على خطر التصعيد النوويّ –الأمر الذي من أجله ينبغي أن نكون جميعًا شاكرين-. لكنّ وزير الدفاع “كارتر” ومساعديه يفكّرون الآن بشكلٍ جدّيّ، ويخطّطون أيضًا، لنزاعات قد تشمل أيضًا قوّة عظمى أخرى وتزيد حدّتها باتّجاه الحقل النووي.

من الصعب أن تعرف المكان الواجب أن نبدأ منه عندما نقوم بالتعليق على تلك المسألة، وخصوصًا، عندما نأخذ بعين الاعتبار الأجواء الهيستيريّة التي رافقت الحرب الباردة؛ فهناك، في البدء، مسألة التناسب؛ فهل الخطوات التي اتّخذتها الولايات المتّحدة والناتو في الخاصرة الشرقيّة، تتماشى مع مدى التهديد الذي تمثّله روسيا؟ من المؤكّد بأنّ التدخّل الروسيّ، في شبه جزيرة القرم وشرقي أوكرانيا، كان كريهًا ومثيرًا للاستفزاز، لكن، لا يمكن وصفه تهديدًا مباشرًا وصريحًا، بينما يمكن اعتبار بعض الخطوات الروسيّة الأخرى -كاختراق السفن والطائرات الحربيّة الروسيّة للأجواء، والمياه الإقليميّة لدولٍ أعضاء في الناتو- أكثر مدعاةً للقلق، ولكنّها تبدو كرسائل سياسيّة أكثر منها مقدّمة لغزو؛ فمن الصعب جدًّا، أساسًا، تخيّل سيناريو، تبادر وفقه روسيا بهجومٍ عسكريّ على الناتو.

ومن ثمّ، هنالك مسألة النبوءات ذاتيّة التحقّق؛ فبمجرّد الإعلان عن عودة التنافس بين القوى العظمى والتحضير لحرب مع روسيا، فقد بدأت الولايات المتّحدة والناتو بتجهيز القوّات التي في إمكانها، في نهاية الأمر، الوصول إلى ذلك الهدف وبدقّة. إنّ ذلك الأمر، لا يُعفي موسكو من دورها، في اضطراب الأجواء على طول الجبهة الشرقيّة، لكن، وبالتأكيد، فإنّه يعطي فلاديمير بوتين أسبابّا ليدّعي أنّ مبادرات الناتو تنذر بخطرٍ محدقٍ وجوهريٍّ، على الأمن الروسيّ، وليبرّر -بذلك- تعزيزات روسيّة مماثلة.

إنّ أيّ خطوةٍ من هذا القبيل ستؤدّي، وبالطبع، إلى زيادة الانتشار العسكري للناتو، وسيتبعها، أيضًا، خطوات روسيّة مكمّلة لها، وهكذا دواليك، إلى أن نصل حالة شبيهة بالحرب الباردة.

وأخيرًا؛ فإن هناك خطر وقوع حوادث، أو أخطاء في الحساب، ومن ثمّ التصعيد، ويبرز ذلك الخطر جليًّا في حالة تدريبات الولايات المتّحدة والناتو، على طرف الأراضي الروسيّة، خصوصًا كالينينغراد؛ ففي القيام بأفعال من هذا القبيل؛ فإنّ هنالك خطرًا مستمرًا ّفي أن يقوم طرف ما، بإبداء ردّة فعل مبالغ فيها، على “ما يُعدُّ تهديدًا”، فيقوم باتّخاذ خطواتٍ تؤدّي إلى نشوب القتال، وربّما، إلى نشوب حرب شاملة. فمثلًا؛ عندما قامت مقاتلات روسيّة بالتحليق، على ارتفاع أقلّ من 30 قدمًا من مدمّرة أميركيّة مبحرة في بحر البلطيق في نيسان/ أبريل الماضي، أخبر “جون كيري”، وزير الخارجيّة الأميركيّة، محطّة CNN بأنّه وفقًا لقواعد الاشتباك الأميركيّة، فقد كان في الإمكان إطلاق النار على تلك الطائرات، تخيّل أين كان من الممكن أن يقود ذلك الأمر فيما لو حدث؟ لكن، ولحسن الحظ؛ فإنّ قبطان تلك المدمّرة قد اختار ضبط النفس، وتمّ بذلك تجنّب حادثةً خطيرة. ولكنّ ازدياد انتشار القوّات الأميركيّة، وقوّات الناتو على طرف الأراضي الروسيّة، وانهماك الطرفين بمناوراتٍ عسكريّة استفزازيّة؛ سيؤدّيان، وبالتأكيد، إلى ازدياد تواتر حدوث ذلك النوع الخطر من المواجهات، وبالتالي، إلى نموّ خطر نهايتها بشكل سيّئ.

ستخيّم نتائج تصويت “البريكزيت”، وتبعاته، من الاضطراب السياسيّ في أوروبّا، على قمّة الناتو في وارسو دون أدنى شك، لكن، عندما يعود قادة الغرب إلى العمل في هدوء، سيكون لزامًا عليهم ألّا يسمحوا لرغبتهم بـ”إظهار وحدتهم” و”التصرّف بحزم” بأن تقودهم إلى القيام بخطوات عسكريّة، تؤدّي، بطبيعتها، إلى عدم الاستقرار. من الممكن، وبكلّ تأكيد، طمأنة دول البلقان وبولندا من دون الآلاف من الفرق العسكريّة الإضافيّة، ومن دون دعوة الجانب الروسي، إلى المزيد من التصعيد العسكري من جانبه أيضًا.

 

 

عنوان المادة الأصلي بالإنكليزية The United States and NATO Are Preparing for a Major War with Russia
اسم الكاتب بالعربية والإنكليزية Michael T. Klare

مايكل ت.كلاير

مصدر المادة أو مكان نشرها الأصلي The Nation
تاريخ النشر  7 تموز/ يوليو 2016
رابط المادة
اسم المترجم  أنس عيسى

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق