مقالات الرأي

ديكتاتورية أردوغان وديمقراطيتنا

ليس هدفي من كتابة هذه السطور الدفاع عن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أو التهجم عليه؛ فهذا واجب أهله وأنصاره، وبشكل خاص واجب المواطنين الأتراك، دون أن يعني ذلك أن الأمر لا يهم الآخرين، فتركيا ليست على ظهر “المريخ”، وإنما في قلب منطقتنا، التي هي قلب العالم، وأي فعل يصدر عنها يؤثر على العالم المحيط، وخاصة على سورية والسوريين.

 

ولتوضيح فكرتي سأروي القصة التالية، التي حدثت معي قبل نحو ثلاثين عامًا.

 

كان من عادتي كلما ذهبت إلى بيروت، بعد خروج الإسرائيليين منها، أن أسهر وأنام أحيانًا عند صديق ينتمي إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي، الذي كان شريكي في النشر أيضًا، وكان يحضر السهرة -على الأغلب- المرحوم الأمين إلياس جرجي، الذي كان رئيسًا للحزب، وأمينًا للداخلية في مراحل مختلفة من تاريخ الحزب المذكور.

 

في إحدى السهرات، تجدد الحديث عن جورج عبد المسيح، الرئيس السابق للحزب، والذي أعطى الأمر باغتيال العقيد عدنان المالكي في دمشق، يوم 22 نيسان/ أبريل 1955، متهمًا إياه بالمسؤولية عن الخراب الذي حل بالحزب، والمصائب التي حاقت به؛ نتيجة ديكتاتوريته وقراراته الكارثية الفردية.

سألت الرفيق، إلياس جرجي، عن أعلى المناصب التي استلمها في الحزب، في حياة أنطون سعادة، فقال: كنت أمينا للداخلية. وهذا لمن لا يعرف، يماثل موقع وزير الداخلية في الحكومات، وتابعت الأسئلة قائلًا: هل كنت تسمح لنفسك، وأنت في موقعك ذاك، أن تسأل أنطون سعادة عن سبب تصرفه الفردي، لو أنه فعل ما فعله جورج عبد المسيح؟

قال الأمين إلياس جرجي: طبعًا لا!!

وسألت: ولماذا هذه  الـ “لا” القاطعة يا رفيق؟

قال: لأنه هو الزعيم ببساطة.

قلت له، وكان في عمر والدي: اسمح لي -هنا- أن استفيض قليلًا في التعليق، على موقفك من جورج عبد المسيح، وعلى موقفك المتخيّل من أنطون سعادة.

 

أولًا، لا ألوم جورج عبد المسيح على تصرفه الفردي، وعلى ديكتاتوريته؛ لأنه كان صادقًا وأمينًا مع التربية السياسية التي عاشها في ظل “الزعيم” ورفقته، وكان الابن البار لأفكار هذا “الزعيم” وسلوكه، فهو مَثَله الأعلى؛ لذلك كان يحاول تقليد “معلمه”، لا أكثر ولا أقل. ودليلي على ما أقوله هو أن جميع رؤساء الحزب، الذين تعاقبوا على القيادة، يُمارسون ما مارسه جورج عبد المسيح؛ فلماذا يكون هو الخائن أو الديكتاتور الوحيد بينهم؟

 

شخصيًا، أرى أن المشكلة ليست في الأفراد، وإنما في النظام السياسي الذي يُكرّس الاستبداد، (وهذا الكلام جرى في عام 1986)، فلو أن أنطون سعادة تبنى الديمقراطية؛ ممارسةً وتفكيرًا، لكان أنقذ موقع الرئاسة في حزبه من كثير من الممارسات التي هوَت بالحزب إلى الحضيض الذي وصله هذه الأيام، في تعامله مع الشعب السوري، وتبعيته المطلقة للمخابرات السورية.

 

لو كانت تحيط بجورج عبد المسيح قيادة ديمقراطية، تفرض على الرئيس مناقشة كل قضايا الحزب معها؛ لربما كان قد سمع، من أكثر من شخص، الاعتراض على عملية اغتيال المالكي، ولما كان يمكن للحدث أن يُعرِّض الحزب للمصائب.

 

ولو كان هناك من يستطيع الكلام في القيادة العراقية، المحيطة بصدام حسين، دون أن يخشى تعرضه للموت، فيقول له: إن دخول الكويت فخ لك وللعراق، مع عرض السلبيات والإيجابيات؛ لكان قد لجم طموحه وجموحه نحو السيطرة، بحجة تحقيق الوحدة العربية، ولربما كان قد أنقذ العراق، والأمة العربية، من ويلات دخوله إلى الكويت، وصولًا إلى تفتيت العراق كدولة، وسيادة إيران على الإقليم.

ولو كان حول حافظ الأسد، وابنه الوارث، قيادة تُمثّل الشعب السوري حقيقة، لا الانتهازيين فحسب؛ لنصحه أكثر من شخص بالانفكاك عن إيران، ولكان قد شرح له طموحاتها الإقليمية، عبر إمكانية استخدامها الغطاء الطائفي، الذي سيكون على حساب العرب قبل غيرهم.

 

ولو كان للمعارضة السورية قيادة ديمقراطية مُنتخبة من الشعب، وتعتمد عليه؛ لما تحولت إلى لعبة بين أيدي الأصدقاء قبل الأعداء.

 

في تلك السهرة البيروتية كنت حزينًا؛ لأنني أزعجت الرفيق العجوز بكلامي الصريح عن “الزعيم” الديكتاتوري، ولكن كان لا بدّ لي، من موقع الصداقة قبل غيرها، أن أقول ما قلته.

ومن موقع الصداقة نفسه، والاحترام والحب للشعب التركي، الذي قدّم الكثير للشعب السوري، أرى أن من واجب القيادة التركية، في الحكم والمعارضة، أن تراقب إن كانت هناك ميول ديكتاتورية عند “الزعيم”، فهم -وحدهم- القادرون على تكريس الديمقراطية في بلادهم، وقد برهن الشعب التركي على تمسكه بالديمقراطية، ورفضه ديكتاتورية العسكر عبر نزوله إلى الساحات، والتصدي للانقلابيين بالصدور العارية.

 

واقعة مواجهة العسكر، من قبل الشعب، تقول -ببساطة- بإمكانية نهاية عصر الانقلابات العسكرية، كما تحمل في طياتها إمكانية مواجهة الديكتاتورية المدنية، فهل يؤسس الشعب التركي لعصر جديد؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق