هموم ثقافية

داءُ التعميم

مع قيام الثورة السورية، ـكما مع غزو العراق، أو حصار غزة، ارتفعت أصواتٌ، لا شاغل لأصحابها، إلاّ إدانة المثقّفين إلى درجة تخوينهم؛ وذلك تحت عناوين استنكاريّة، بصيغ متعددة: “أين أنتم، أيّها المثقّفون العرب؟” أو”أيها المثقّفون العرب، لماذا تركتم الحصان وحيدًا؟” أو صيغ أخرى، تفيد بأن المثقّفين العرب، تقاعسوا عن أداء واجبهم الوطني، وقصّروا إزاء قضايا شعوبهم، أو خانوا دورهم…إلخ.

 

مغالطة هذه الأصوات -حتّى مع طيب النوايا- يكمن في أن أصحابها ينظرون إلى المثقّفين، بوصفهم كتلةً متجانسة واحدة موحّدة، ونوعًا من الأسماك لها الحجم ذاته، والتكوين ذاته، تتحرّك بالسرعة ذاتها، وفي الاتّجاهات ذاتها، لا موقف مغايرًا لأحدهم، ولا فردية، ولا مزاجًا، ولا رأيًا مخالفًا أو مختلفًا.

 

وهنا، على بطلان التعميم، كالنظر إلى المحامين، مثلاً، على أنهم أخيار، في حين أن بينهم المدافع عن الشيطان؛ فإنّ واقع الحال يفيد بأن من المثقّفين، في سورية، مَنْ كان يوالي الطغيان الحاكم، ومَنْ كان يعارضه، وثمة مَنْ والاه في أثناء الثورة، ومَنْ عارضه، بل، وهناك مَنْ كان مواليًا قبل الثورة، ثمّ عارض بعد قيامها، ومَنْ كان معارضًا، ثمّ والى.

 

ومغالطة هذه الأصوات أن أصحابها، يَحسَبون أنّ للمثقّف العربي القول الفصل، وعنده الحكمة الخالدة، ومعه السيف المهنّد البتّار، وهو -ـدون غيره- مَنْ يملك القرار.

 

وواقع الحال أن المثقّفين المعارضين، في سورية، همّشهم وقيّدهم وحاصرهم الطغيان الحاكم، بل وشمل تهميشه وتقييده وحصاره مثقفين، ليسوا معارضين ولا موالين.

 

ومغالطة هذه الأصوات أن أصحابها، ينسَون أنهم جزء من المُنادى، جزء من المثقّفين، أي: إنهم في مجموع المتقاعسين المقصّرين…إلخ، إلاّ إذا كانوا يرون أنفسهم كوكبةً، تحلّق خارج المجموع المُنادى، وأن مهمتهم حثّ مَنْ قصَّر، أو تقاعس، واستنهاضه.

 

وهذه الأخيرة، على ما أحسَب، لا تحتاج إلى تعقيب.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق