تحقيقات وتقارير سياسية

الفضائيات الثورية السورية: طريق وعرة وعقبات تنتظر من يتحداها

“إعلامي لا يمسك الحقيقة بيديه لا تصدقه، صدق كاميرا الشهيد”. الكلمات لأحد الناشطين الإعلاميين جنوب دمشق، وقد تبدو في معانيها أضيق من الحدود الواسعة للعمل الإعلامي، إلا أنها تصلح -إلى حد بعيد- لتوصيف الواقع السوري، وكيفية التعاطي الإعلامي تجاه ما يجري في البلاد.

 

تتفق معظم الآراء اليوم على أن الإعلام السوري -الناشئ إبان الثورة- بشكل عام، والمرئي بشكل خاص، عانى كثيرًا؛ ليشق طريقه في هذا العالم الصعب والشائك، خاصة وأنه يحمل مسؤولية مواكبة ما يجري داخل سورية من أحداث، وترجمتها إلى مواد إعلامية تستطيع بشكل أو بآخر، عكس الأبعاد الإنسانية، بما يسهم في حشد، وكسب تعاطف واسع مع عدالة القضية السورية.

 

ليست وسائل الإعلام أدوات سياسية، قادرة على تحديد السياسات أو تغييرها، لكنها في الوقت نفسه وسائل فعّالة جداً للتأثير في الرأي العام وأنماط التفكير، ووفق هذا المفهوم، فإن وسائل الإعلام الثورية السورية تتحمل عبئًا مضاعفًا، فمطلوب منها الدفاع عن ثورة الشعب السوري، وفضح ممارسات النظام، وإقناع أصحاب الموقف الضبابي بضرورة التغيير السياسي في سورية من جهة، وتقديم مثال راقٍ عن إعلام جديد بديل عن إعلام السلطة السورية، الذي كان وحيد الرؤية، ومرتهنًا للأجهزة الأمنية، وشموليًا كالسلطة التي يُمثّلها من جهة ثانية، لكن هذا الإعلام واجه تحديات كبيرة، أهمها: قضية التمويل، وتأمين الكوادر الماهرة، ووضع السياسيات التحريرية المتوازنة والمهنية.

الحقيقة والفضائيات “الثورية”

عبو الحسو، مدير برامج في قناة “حلب اليوم” قال لـ (جيرون): إن الفضائيات الثورية “استطاعت إلى حد كبير نقل ما يجري في سورية، إلى الرأي العام الخارجي، وخاصة في البدايات، وساهمت في كسب تعاطف كبير مع الثورة الشعبية في البلاد، ساعدها في ذلك عدم وجود إعلام بديل ينقل الحدث السوري، لكن مع طول فترة الثورة، وقعت هذه الفضائيات في مطبات وسقطات إعلامية، أولها، عدم تطوير اللغة الإعلامية، والارتقاء بها الى السوية المهنية المطلوبة؛ ما أفقدها كثيرًا من معايير المصداقية، وثانيها، انحياز مؤسسات إعلامية كبيرة إلى مصلحة النظام بشكل مباشر أو غير مباشر؛ ما جعل الأخير ينجح -إلى حد بعيد- في تزييف الوقائع، وقلب الحقائق، وتصوير ما يجري في سورية على أنه حرب أهلية، أو حرب على الإرهاب، واستطاع النظام -إلى حد ما- أن يقدم نفسه كطرف أساسي في محاربة الإرهاب، خاصة بعد التدخل الروسي”.

 

يتفق الناشط الإعلامي هيثم نبيل، من ريف دمشق، إلى حد كبير مع الرأي السابق، وقال: “لقد ساهم إعلام الثورة المرئي في نقل الصورة الحقيقية للأحداث، لكنه في وقت لاحق، ومع اشتداد المعارك في البلاد، تخلى جزء كبير من هذا الإعلام عن القواعد المهنية، كما لم يعد يهتم إلا بأخبار المعارك والمجازر، وفي الداخل واجهنا صعوبات كثيرة في إيصال وجه آخر لما يجري في البلاد، مثل التقارير التي تتحدث عن حياة الناس اليومية، أضف إلى ذلك، أن الإعلاميين في الداخل السوري مقيّدين بطبيعة القوى العسكرية المسيطرة، وبالتالي؛ لا يستطيع الإعلامي العمل بحرية، وكذلك، فإن القنوات التلفزيونية مع الوقت باتت تنتقي تقارير تلائمها، وتلائم سياستها، بغض النظر عن الحقيقة”.

 

إيجابيات ونجاحات

في المقابل، حققت بعض الفضائيات نجاحًا، وخلقت ثقة بين المتلقي ووسائل الإعلام هذه، وعن إيجابيات بعض الفضائيات الثورية، قال الإعلامي محمد منصور، من مؤسسة “أورينت” الإعلامية لـ (جيرون): “من أبرز إيجابياتها نقل صورة الثورة، في وقت كان يُنكر فيه النظام وجود ثورة شعبية ضده بالأساس، ويعدّها مؤامرة كونية، إضافةً إلى أنها تجاوزت الخطاب السائد حول سورية في وسائل إعلام النظام، وطرحت قضايا اجتماعية وسياسية، كانت من المحرمات، على رأسها قضية تداول السلطة”.

 

من جهته أكّد “حسو” أن هذه الفضائيات “طرحت إعلامًا بديلًا من إعلام النظام المؤدلج، الذي انتهج سياسة واضحة في تزييف الحقائق والوقائع لعقود طويلة، كذلك كسرت القيود الجامدة واللغة الخشبية، وأنهت احتكار النظام لوسائل الإعلام”.

 

في حين رأى “نبيل” أن من أبرز ما أضافته هذه الفضائيات إلى الواقع السوري، يتمثل في “تعزيز دور المواطنين الصحافيين، الذين كان لهم دور كبير في توثيق الأحداث، ونقلها إلى العالم، ولا سيما أن أغلب المحطات الإعلامية، لم تعد تستطيع العمل لفترات طويلة داخل سورية؛ لأسباب معروفة للجميع”.

 

كبوات وسلبيات

لخّص “منصور” أهم السلبيات، وقال: “لقد اختلط عمل الناشط الثوري بالعمل الصحفي، والرأي والتحليل بصيغة تقديم الخبر أو التقرير الإخباري، ولهذا مبرراته بسبب افتقار الساحة إلى الإعلاميين المحترفين، وخصوصًا في الداخل السوري، لأن النظام لاحق الصحافيين أو قتلهم أو هجّرهم؛ الأمر الذي دفع هذه الفضائيات إلى الاعتماد على الناشطين، إضافةً إلى ضعف التمويل”، عادًّا أن الإخفاقات لها علاقة “بالموقف الدولي العام من ثورة الشعب السوري والتخاذل في نصرته، وعدم إيمان الرأسمال المالي السوري الخاص بصناعة الإعلام حتى الآن”.

 

أما نبيل، فرأى أن أهم السلبيات هي “تبنّي بعض الفضائيات خطابًا، أو رؤية بعيدة عن الواقع السوري، حتى لو كانت تناقش أهم القضايا الإنسانية؛ فالمواطن في الداخل لم يكن يشعر بأن هذه الرؤية تلامسه أو تنقل معاناته، لأن معظم القنوات اعتمدت على توجيه الخطاب إلى عدوها السياسي والعسكري، وكأنها تستثمر أحيانًا في المأساة، أو تتسول استنادًا إلى عذابات السوريين، مضيفًا، الفوضى الكبيرة، سواء على صعيد المصادر، أو زوايا التناول، وبعدها عن الأرض وبُعد بعض مراسليها عن مكان الحدث؛ ما جعل الخبر يظهر بشكل مختلف على كل منها، على الرغم من أن الحدث واحد، إضافةً إلى أنها لم تعمل على تدريب كوادر في الداخل السوري، بل فضلت أن تقيم نشاطات تدريبية في لبنان او تركيا أو غيرها”.

 

من جهته رأى حسو أن إدارة بعض المؤسسات بمنطق الملكية الخاص، من أهم السلبيات، وقال “هذه الطريقة بالتعاطي مع وسيلة الإعلام أوقعها في الكثير من المطبات، إضافةً لعدم وجود رؤية واستراتيجية وسياسة تحرير واضحة الأمر الذي أفقدها في بعض الأحيان مصداقيتها، وجعلها بعيدة عن المهنية، كذلك اعتماد كثير منها على الدعم الخارجي؛ وهذا جعلها رهينةً لمتطلبات وتوجيهات الداعم”.

 

التمويل ومضاعفاته

وعلى الرغم من أن التمويل واحد من أهم عوامل ديمومة واستمرار أي وسيلة إعلامية، سواء الثورية منها أم غير الثورية، إلا أن التمويل يمكن أن يكون أحد أهم العوامل التي تصنع الفوضى الإعلامية وفق نبيل، الذي قال “دون تمويل لا توجد مؤسسة إعلامية، التمويل يحاول دائمًا أن يطرح وجهة نظره في الإعلام؛ فتغيب الشفافية عن المنتج الإعلامي، ودائمًا سيفرض الممول وجهة نظره على الإعلامي، من خلال تفاصيل كثيرة تظهر مع الوقت والعمل”، ويؤيده “حسو” الذي قال: إن التمويل “أربك العمل داخل بعض المحطات، ولم تتخذ وسائل الإعلام -هذه- أي خطوة من شأنها توفير عوائد مادية، تجعلها تستغني عن الدعم الخارجي، وبالتالي؛ تحرر قرارها، وترسم سياسة التحرير، بمعزل عن أي أجندة خارجية”.

 

وشدد منصور على أن التمويل هو أحد أهم عوامل صناعة الإعلام لأن صناعة الإعلام “مكلفة وتحتاج إلى قدرة على الإستمرار والبقاء على خارطة البث”، وأضاف “للتمويل علاقة بالمورد الإعلاني لأنه أهم موارد المؤسسات الإعلامية في العالم العربي اليوم، إلى جانب المال السياسي ودعم الحكومات، ومعظم الفضائيات السورية محرومة من هذا كله”.

 

مستقبل الإعلام المرئي الثوري

حول مستقبل هذا النوع من الإعلام الثوري السوري، أعرب “حسو” عن تفاؤله بمستقبل هذا الإعلام، ونوّه بسعي بعضهم لتأمين مصادر تمويل ذاتية، ومحاولته تطوير الكوادر والخبرات في الميدان الإعلامي، وأضاف: “يمكن التفاؤل بمستقبل بعض الوسائل الإعلامية التي عملت على أدواتها وأساليبها ومضمونها، على الرغم من أنها ما زالت غير مستقرة من الناحية المالية، باختصار، إن حال الإعلام الثوري كحال الثورة، يتيم ينحت في الصخر؛ من أجل البقاء والاستمرار والارتقاء”.

 

لكن “نبيل” لم يكن بقدر هذا التفاؤل وقال “إن مستقبل هذا الإعلام، ليس واضحًا حتى الآن، لأن الرؤية الإعلامية لا تزال غير موجودة، وسنبقى كذلك لوقت طويل، لأن إعلام المستقبل سيكون له دور حاسم في العمل السياسي، وإذا كنا في هذه المرحلة لا نستطيع أن نقدم خطابًا إعلاميًا واضحًا ووطنيًا، فإننا لن نستطيع ذلك في المرحلة المقبلة، وسنكون أمام إعلام مُشتّت ومُسيّس بعيد عن هموم الشارع، وغير منحاز للحقيقة”.

 

أما منصور فقد شدد على عدم وجود مستقبل للإعلام المرئي السوري في المنافي “لا سيما مع حالة التملص الإنساني والأخلاقي الدولية من مناصرة الشعب السوري وإيصال صوته”، وفق رأيه، وشدد على أن السوريين يجب “أن يعودوا إلى وطنهم أولًا؛ كي يؤسسوا مستقبلًا جديدًا لهم في كل المجالات، لكن على صعيد آخر، فإن مستقبل الإعلام المرئي -عمومًا- يتقاطع مع مستقبل وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت تؤثر وتتأثر بالإعلام المرئي، وأحيانًا تشيع الفوضى فيه، وتنال من تقاليده المهنية، وتجره إلى منطقة الشائعات وهوس الأكثر مشاهدة وسباق الأرقام”.

 

كما شدد على عدم إمكانية تجاوز سلبيات وإخفاقات الإعلام المرئي إلا من خلال “فضائيات مُؤمنة بالصحفي السوري أكثر، وحريصة على ترسيخ تقاليد عمل ودودة داخلها، وتأمين فرص للتدريب المستمر وتلاقح الأجيال، فالتدريب والاحتكاك بالخبرات أثناء العمل أهم ألف مرة من التدريب النظري في مراكز كثير منها يمنح شهادات تجارية، ويعتمد على التسويق أكثر من اعتماده على العلم والثقافة وتنمية الحس الصحفي بشكل خلاق”، ولفت إلى أن المطلوب اليوم أمران رئيسان: “الأول، قوة رأس مال وطني، يؤمن بالعمل الصحفي، ويحترم تقاليده والعاملين فيه، ويؤمن بهويته السورية، الثاني التأهيل الثقافي للصحفي في مؤسسته، ومحاربة الثقافة الشفهية، والشائعات التي تنتشر على أرضية وسائل التواصل الاجتماعي، وثقافة القص واللصق في كتابة الخبر أو التقرير دون التعمق فيه”.

 

فيما رأى حسو أن المطلوب “تنظيم العمل الإعلامي والصحفي تحت إطار جامع يضع الضوابط المهنية استنادًا إلى ميثاق العمل الإعلامي، وتأهيل الكوادر البشرية بشكل مهني وتقني، اضافةً لإحداث وكالات أنباء مهنية بديلة تنقل الحقيقة بشكل مهني ومصداقية عالية وفق مقاييس عالمية”.

 

وذهب نبيل للمطالبة بـ “إنشاء هيكلية إعلامية ناظمة للعمل الإعلامي في سورية، شبيهة بمجلس إعلامي أعلى يُشرف من خلال اختصاصيين على سير العمل في كل المناطق، ويُمثل مرجعية للجميع، كما يجب أن تتمتع وسائل الاعلام بشفافية عالية، إلى جانب الحد من التحيز الذي تعيشه هذه الوسائل، والوصول لوسائل تحمي الإعلاميين في الداخل السوري من كل القوى العسكرية المتصارعة في البلاد، سواء كانت النظام أم المعارضة المسلحة، ولا يمكن الارتقاء بالعمل الإعلامي دون وجود مؤسسة تعمل على خلق روح التعاون والشفافية في الإعلام، لا تخضع لإملاءات وشروط الممول، فضلًا عن ضرورة الاهتمام بحقوق الصحافي المادية والمعنوية، وحمايته في أحوال عمله الخطرة”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق