قضايا المجتمع

الحراك المدني النسوي في ظل الثورة: فوضى نخبوية تحتاج إلى تقويم

اقتصر الحراك النسائي في سورية، قبل الثورة، على جمعياتٍ خيرية، تمتاز بنخبويتها، واستقطابها سيداتِ المجتمع المخملي، وابتعادها عن النساء الريفيات، أو غير المتعلمات، الأمر الذي انعكس سلبًا على الناشطات النسائيات، وساهم في تنميطهن، واتهامهنّ باستخدام لغة بعيدة، عن هموم المجتمع ومشاكله، وعدم استقطاب جيل من الشابات السوريات، بالتالي، وجذبهن إلى العمل المدني بكل مساراته، إضافةً إلى غياب الفكر النسوي، والنشاط النسوي، اللذين تطورا في السبعينيات، ولكنها ما لبثا أن تراجعا، بعد هيمنة الحزب الواحد، على الحكم، وقضائه على كل أشكال التعدّد والتمدّن.

 

أتاحت الثورة السورية للمرأة فرصة جديّة، للمثول في كل الحقول، وطال التغيير بصورة واضحة القضايا، والمواضيع، المهتمة بها، فظهر عديد الجمعيات، والمنظمات النسوية، التي تُعنى بشؤون السوريات، سياسيًا، واجتماعيًا، وفكريًا، كما ظهرت بعض المنظمات، التي تُعنى بمسألة حقوق الإنسان عامةً، وتهتم بجانب معين من نشاطها، بمسألة المرأة، ولكنه كان اهتمامًا عفويًّا، وغير موجّه، فلم يعطِ أيّ نتيجة على المدى البعيد.

 

تعاني أغلب المنظمات النسائية، من ضعف في تطبيق البرامج، والمشاريع المُتَضمَّنة، في خطط عملها، وعدم فاعليّة النشاط الذي تقوم به، وفي هذا المجال؛ أكّدت سلام صديق، وهي مشرفة لجنة دعم المرأة، في مؤسسة السنكري، لـ (جيرون): أن “العجز في تطبيق البرامج، سببه العدد الكبير من النساء السوريات، المحتاجات إلى مثل هذا النشاط، مقابل كادر متواضع، لا يمكنه أن يقوم بالمهمة المرسومة على أكمل وجه، وهناك بعض المنظمات، ضعيفة الإمكانيات ، ورغبتها في استقطاب المرأة المحتاجة، والفقيرة، غير قابلة للتنفيذ على أرض الواقع، وهذا الأمر لا يعود لكثرة الأعداد فحسب؛ بل لقلة المصادر المالية، وضعف التنسيق أيضًا”.

 

من جهتها؛ فقد أكدت مؤسِّسة جمعية نساء سورية، هناء القصاب، لـ (جيرون): “أن عدم نجاح النشاط الذي تقوم به الجمعيات النسوية؛ سببه التكرار، والابتعاد عن الإبداع والتطوير، إضافةً إلى عدّ هذا النشاط مشاريع فردية عند بعض المتابعين، الذي يرون أن الدعم المادي لا يسخّرُ وفقاً للمطلوب”.

 

شدّدت صديق “أن أغلب الجمعيات لا تتابع العمل، ولا تدرس نتائجه على الأرض، وبالتالي؛ فإنها تبدأ بمسميات كبيرة، وأهداف كثيرة، ولكنها، في معظم الأحيان، لا تنتهي إلى التحقيق، وخصوصًا، المشاريع التي تهدف إلى تمكين المرأة من مهنة معينة، فقسم كبير من السيدات، اللواتي يخضعن للورشات التعليمية، لا يستطعن العمل بها فيما بعد، وعدد قليل منهنّ فقط، يحصلن على الفائدة المرجوّة”،  كما ركّزت على أهمية تولي المرأة إدارة المشاريع، وتابعت: “القيادة النسائية؛ هو ما ينقص هذه المنظمات، وتركيز إدارة المرأة لكل نشاط نسوي، يعيد إليها التوازن، ويجعلها مثمرة، ولكنها في كثير من الأحيان، تصطدم بمعارضةٍ ذكورية، لا تؤمن بمقدرات المرأة فتفشل”.

 

في سياق متصل؛ شدّدت الناشطة الإغاثية، ابتسام دواليبي، على أهمية المشاريع التشاركية، في هذا المجال، وقالت: “وصلنا إلى مرحلة خطرة من الضياع والعشوائية، في النشاط النسائي، وحان الوقت لكي نتعلم من تجاربنا وأخطائنا، فنحن اليوم في حاجة إلى العقل الجمعي، الذي يؤمن أن الأهداف الكبيرة، لا تحققها مؤسسات صغيرة”.

 

لا تزال الحركة النسائية السوريّة، في طور اكتشاف الذات، فهي تجربة -في مجملها- غضّة ويافعة، وتحتاج إلى مزيد من الوقت، لتثبت نجاحها، ومن أجل تخطّي مرحلة التخبّط، في تحديد الأهداف، والرؤى المشتركة؛ لا بدّ من الترويج لثقافة التخصّص في العمل؛ إذ أصبح من الواجب الملقى، على عاتق هذه المجموعات اليوم، أن تُعلن عن توجهاتها واختصاصاتها، بحسب الكفاءات والموارد والحاجات، ومن ثمّ، تأتي مرحلة توحيد الأهداف، وهذا يتطلب الكثير من التنسيق، والتشبيك، وتضافر الجهود، وهو أمر، بدأت بعض المجموعات الانتباه إلى أهميته، مؤخرًا، والعمل على تجازوه، على الرغم من الصعوبات الأمنية والجغرافية.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق