ترجمات

تركيا، فجأةً، تريد أصدقاء، لا أعداء

على الرغم من أن هذه المقالة نشرت في 15 تموز/ يوليو 2016، أي قبل ساعات من محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة، إلا أننا ننشرها لتسليط الضوء على سياسة رئيس الوزراء التركي “بن علي يلديريم”.

 

طرأت على مواقف الرئيس أردوغان تجاه كلّ من اسرائيل وروسيا وسورية تغييرات مفاجئة.

استعاد رئيس الوزراء التركيّ، المعيّن حديثًا، “بن علي يلديريم” استعمال الوصفة القديمة والعريقة، في التعامل مع جيران بلاده المزعجين: التقليل من الخطابات الرنّانة، والتصرّف بلطف؛ حيث صرّح في حديثٍ له في تاريخ 11 تمّوز/ يوليو: «إنّ الهدف الأسمى لسياستنا الخارجيّة، هو زيادة عدد الأصدقاء، ولا يوجد أيّ سبب يدفعنا إلى التنازع مع العراق و سورية و مصر».

لقد بدأ السيّد يلديريم، تنفيذ وصفته، بدايةً حسنة؛ ففي غضون يومٍ واحدٍ الشهر الماضي، وافقت تركيا على إعادة تفعيل الاتّفاقيّات مع اسرائيل –الدّولة التي كانت على خلاف معها، منذ عام 2011-، كما اعتذرت إلى روسيا، عن إسقاط طائرتها الحربيّة، التي انحرفت عن مسارها، ودخلت مجالها الجوّيّ بعد قصفها في سورية، في تشرين الثاني/ نوفمبر. كما يأمل مسؤولون أتراك في الحزب الحاكم، منذ ذلك اليوم نفسه، تحقيق تقدّم في محادثات السلام في قبرص (المقسّمة منذ 1974 بين جزءٍ يونانيّ معترفٍ به دوليًّا في الجنوب، وآخر شماليّ محتلّ من قبل تركيا)، و قاموا بمناقشة انفراجٍ حذر في العلاقات مع مصر، وإعادة تقييم لسياسة تركيا غير المتقنة في سورية؛ فبعد بدء الربيع العربي عام 2011، سارعت تركيا إلى زجّ نفسها في النيران التي غطّت الشرق الأوسط: فقامت بدعم الإخوان المسليمن في مصر، والثوّار الإسلاميّين في سورية، لكن، وبعد أن لسعتها تلك النيران، هذه هي تركيا الآن تركض إلى برّ الأمان.

توافرت لدى حكومة يلديريم، الأسباب كافّةً لحلّ الخلاف مع موسكو؛ فقد كان للعقوبات التي فرضها الكريملين على تركيا، الخريف الماضي، آثار مؤلمة؛ حيث انخفضت نسبة الصادرات التركيّة إلى روسيا، بقيمة 60 في المئة، خلال النّصف الأوّل من العام، كما قلّ عدد المسافرين الروس إلى تركيا بنسبة 90 في المئة، مقارنةً بإحصاءات العام الفائت؛ و ذلك بسبب قرار منع السياحة في تركا، لكنّ الشركات الروسيّة بدأت، مؤخّرًا، بإعادة تنظيم الرحلات إلى تركيا بعد توقّف دام ثمانية أشهر، حيث تمّ الاحتفاء بالسيّاح القادمين إلى مصيف أنطاليا، في نهاية الأسبوع الماضي، على متن الخطوط الجويّة الروسيّة بزجاجات الشمبانيا والورود.

وفي هذة الأثناء، حدّ التدخّل الروسيّ في سورية من الطموحات التركيّة للعب دور “المقرّر الأساسيّ” في المنطقة، خصوصًا في ظلّ الخسائر الدمويّة التي تكبدّها حلفاؤها هناك على يدي كلّ من قوّات النظام والطائرات الروسيّة وجهاديّي الدولة الإسلاميّة؛ هذا ما جعل تركيا تخشى من استبعادها من أيّ اتّفاق قد يُبرم حول مستقبل البلاد؛ لهذا السبب، تأمل تركيّا في استعادة مكانها على الطاولة بالتقرّب إلى روسيا والدبلوماسيّين الغربيّين.

لكنّ التصالح مع روسيا لم يستطع الذهاب أبعد ممّا هو عليه الآن؛ فلا يزال البَلَدان على خلاف في القوقاز والبحر الأسود، الذي وصفه الرئيس التركيّ رجب طيّب أردوغان، بأنّه على وشك أن يتحوّل إلى بحيرة روسيّة. وكما تشعر تركيا بالاستياء ممّا تراه عادة روسيّة، في السماح للجهاديّين فيها، بالسفر إلى تركيّا، وقد تنامى ذلك القلق -خصوصًا- بعد أن قتلت هجماتٌ، نفذّها مقاتلو الدولة الإسلاميّة في 28 حزيران/ يونيو، 45 شخصًا في مطار إسطنبول الدولي، حيث تمّ اكتشاف أنّ اثنين من انتحاريّي ذلك الهجوم، وبعضًا من مدبّريه، هم مواطنون روس، وفي ذلك الصدد اشكتى مسؤولٌ تركي قائلًا: «إنّهم لا يوقفون أولئك الناس، وهذا يضع عبئًا ثقيلًا على أكتافنا»، مشيرًا بقوله إلى المقاتلين الآتين من شمال القوقاز، والذين يطوفون بانتظام الحدود التركيّة مع سورية.

تواجه سياسة تركيا الجديدة والهجوميّة في سورية، أكبر تحدّ لها؛ فلا يزال المسؤولون الأتراك يعدّون الرئيس بشّار الأسد، مسؤولًا عن قتل مئات الآلاف من السوريّين، لكنّهم باتوا يدركون عدم إمكانيّة نجاح مساعي الإطاحة به، في وقتٍ قريب، كما يبدو -مسبقًا- أنّ تركيا أقلّ اهتمامًا بمصير الأسد، مقارنةً بمنع الثوار الأكراد، من كسب موطئ قدم دائمٍ لهم، في شمال البلاد؛ لذلك فإنّ التقارب مع روسيا يعني زيادة احتماليّة تخلّيها عن دعم تغيير النظام، يقول عثمان بهادير دينسر، من منظّمة البحث الاستراتيجيّ الدوليّ، وهي مؤسّسة فكريّة تركيّة: «لن يبقى الأسد خطًّا أحمر بعد ذلك».

لقد كان رحيل رئيس الوزراء التركيّ الأسبق، أحمد داوود أوغلو، المبرّر الذي دفع بتغييراتٍ طال تأجيلها؛ حيث عُدَّ السيّد أوغلو، خلال العقد الماضي، مهندس سياسة بلده الخارجيّة، كما يرى فيه الكثير من المراقبين الخارجيّين، الشخص المعتدل الذي حدّ من غرائز أردوغان العدوانيّة، لكنّ الأمر الذي يدعو للسخرية، أنّه ومنذ أن تمّ إعفاءه من منصبه في أيّار/مايو في إثر بعض المشاحنات مع السيّد أردوغان، فإنّ سياسة تركيا ذات النهج المُغامر، قد فسحت الطريق أمام سياسة براغماتيّة، على الأقل، في الشرق الأوسط.

إنّ صيرورة إعادة هيكلة سياسة تركيا الخارجيّة، على افتراض استكمالها، لن تكون بالأمر الهيّن، فلاستعادة العلاقات مع مصر، سيكون لزامًا على السيّد أردوغان وحزب العدالة والتنمية إيقاف دعمهم لقادة الإخوان المسلمين، الذين هربوا إلى إسطنبول، بعد حملة القمع المميت التي قادها ضدّهم الرئيس عبد الفتّاح السيسي، عام 2013، الأمر الذي لن يكون سهلًا بالنسبة إلى حكومةٍ سوّقت نفسها، ولسنوات عديدة، صوتًا للمسلمين المقموعين في العالم بأجمعه.

ستشكّل استعادة العلاقات مع سورية مشكلةً أكبر من نظيرتها مع مصر، حيث سيبدو الأمر بالنسبة إلى الثوار المناهضين للنظام، الذين يتعرّضون لقصف الطائات الروسيّة و السوريّة، أشبه بالخيانة.

لقد فشلت سياسة تركيا في الشرق الأوسط، التي تمّ وصفها بـ”العزلة غالية الثمن” من جانب أحد مستشاري أردوغان، في إيتاء ثمارها. بدلًا من ذلك، فقد تركت البلاد عرضةً لهجمات الدولة الإسلاميّة، ولحرب متجدّدة في الجزء الشماليّ الشرقيّ -الكرديّ- منها، كما زادت من التوتّرات مع حلفائها، لذلك؛ فليس من المُستغرب أن تصبح تركيا أكثر لطفًا، فهي في حاجةٍ إلى أكبر عددٍ ممكن من الأصدقاء.

عنوان المادة الأصلي بالإنكليزية Turkey is suddenly making friends, not enemies
اسم الكاتب بالعربية والإنكليزية مجلّة الإيكونوميست ((The Économiste
مصدر المادة أو مكان نشرها الأصلي
مكان النشر الثاني
تاريخ النشر 15 تموز/ يوليو 2016
رابط المادة
اسم المترجم أنس عيسى

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق