هموم ثقافية

قدر السوريين تغيير الأحصنة خلال عبور النهر

كلنا يفترض، أو أننا كنا نتمنى، أن نرى في زمن الثورات العربية، تلك الشريحة المتعارف عليها بالنخبة، في المكان المطابق لصورتها التي قدمت بها نفسها إلى فئات الشعب، خلال مرحلة ما قبل الثورات، في أكثر من بلد عربي.

 

نقصد بالنخب تلك الجماعات الفكرية والفنية والأدبية والسياسية، التي أفرزتها الحياة في مجتمعاتنا، خلال أكثر من نصف قرن من الزمن. وهي طالما أعلنت، قبل انفجار الثورات، عن رفضها الأوضاع السياسية القائمة، وطالبت بالتغيير، وببناء دول وأنظمة حديثة وديمقراطية وتعددية.

 

كان ذلك في الزمن الرمادي المألوف، حيث كل شيء ممسوك من الأنظمة، وصوت الناس مكبوت ومخنوق ومقموع، وكانت النخب هذه، والسياسية منها خاصة، تنتقد الأوضاع القائمة، وإن بمستويات مختلفة، من الدعوة للإصلاح إلى الإعلان عن ضرورة إسقاط هذا النظام أو ذاك. ولا شك في أن عددًا من هذه النخب قد دفع ثمنًا مبكرًا من حياته في سجون تلك الأنظمة، وتحديدًا في سورية، منذ قدوم حافظ أسد إلى السلطة. كما تعرض عدد من الفنانين، في مختلف المجالات، وكذلك الكتاب والمفكرين إلى القمع بأشكال مختلفة، أقلها الحرمان من حقوق العمل والتنقل والسفر.

 

وفي سورية بعد موت الأسد الأب، تفاءلت النخب بإمكانية الإصلاح التدريجي، وأطلقت على المرحلة الأولى من حكم بشار “ربيع دمشق”، ولم تكن الشرائح الاجتماعية الواسعة من الشعب السوري مهتمة بما تقوم به النخب، كما أن النخب لم تفكر بتنشيط عملها وتوسيعه في صفوف الناس العاديين، فبقي عمل في “الصالونات والمنتديات الصغيرة. وهنا نشير إلى أن النخب السياسية والفكرية، لم تكن بوارد الإعداد لانتفاضة أو ثورة، والأكيد أنها بوغتت بانفجار الثورة الشعبية.

 

لقد انحاز عدد كبير من النخب الثقافية والفنية والفكرية إلى الشعب، وإلى أهدافه من ثورته، الحرية والكرامة، وبمستوى أقل بكثير، كان انحياز النخب السياسية (أحزاب -منظمات- فاعليات فردية)، وبقي المشهد العام للحالة، في مسار الثورة وتداعياتها، تبدو فيه الثورة في مكان، وتلك النخب في مكان آخر، فحتى الذين انحازوا، صادقين ومخلصين، إلى الشعب وثورته، لم يكونوا، إلا ما ندر، على تماس وتلاحم مع يوميات الصراع على الأرض، فخلق هذا الواقع إرباكًا في إدارة الكفاح الشعبي ميدانيًا، يقابله إرباك في قدرة النخب على تجسيد مصداقية فعلها وجدارتها في الانتماء إلى ثورة الشعب السوري؛ فبقي الشعب دون قيادة مجربة وخبيرة، وبقي المخلصون للثورة من المثقفين معزولين عن الكتلة البشرية الهائلة التي نزلت إلى الميادين.

 

عندما دخلت الثورة، اضطرارًا، في المواجهة المسلحة، للدفاع عن بقائها وأهدافها، من جرّاء استحالة نشوء حل وسط مع الطغمة الدكتاتورية، التي كانت واضحة بمنهجها الوحشي، الذي كشف عن خيارين أمام الشعب: الموت أو الاستسلام، وبطبيعة التجربة التي عاشها السوريون تحت سلطة النظام طوال نصف قرن، اختاروا طريق النصر أو الموت، محاذرين من فكرة الاستسلام.

 

عند هذا المنعطف الجهنمي، تزعزعت بعض النخب، السياسية خاصة، وراحت تنظر إلى رفض العسكرة، بما يشي أنها تتهم الثوار باختيار هذا الطريق منذ البداية. وعليه يكون النظام بريئًا من المسؤولية عن إغراق البلد بالدماء، أو أنه يتحمل مناصفة المسؤولية، في ذهاب البلاد نحو الحسم بقوة السلاح، زد على ذلك أن ظهور تيارات إسلامية، وسطية أو سلفية، تقف في مواجهة النظام، أربك عددًا من النخب ودفعها إلى مراجعة موقفها من تأييد الثورة، ولو بالخطاب والتصريح، فأصبحت حال الشعب، في الميادين الملتهبة، تستدعي عقولًا مفكرة، تدير الشؤون اليومية للحياة والدفاع عن الشعب، والتعبير عن مجالات الحياة الثقافية والإبداعية المختلفة، وفي المقدمة المجال السياسي الذي يرشد المقاتلين ويؤطر فعالياتهم؛ بمعنى آخر، كانت ثورة الشعب السوري تشبه فارسًا تلكأ حصانه، أو خذله وهو يعبر النهر؛  فكان لابد من أن تحمل الثورة مواليد جددًا، ومن داخلها، وبقطيعة شبه كاملة مع “أحصنة” الماضي؛ وهي عملية باهظة الثمن ومكلفة جدًا، فضلًا عن حجم الخسائر التي تضطر الثورة لدفعها؛ من أجل أن تتعلم من تجربتها، وترتقي نحو خيارها الذي لا بديل عنه، خيار إسقاط النظام، وبناء دولة المواطنة والحرية والتنوع والعدالة.

 

استطاع شباب الساحات والميادين أن يُفرزوا من صفوفهم نخبًا من الناشطين الإعلاميين والسياسيين، وبدت بياناتهم وشعاراتهم على درجة عالية من النضج، والمطابقة للواقع الحي، كما أفرزت مدن ومناطق الثورة فنانين ومبدعين مبتدئين، لكنهم سرعان ما استطاعوا كسب الاهتمام بقضيتهم، وإظهار جوهر ثورة الحرية، بالضد من دكتاتورية النظام الهمجي، ومن القوى الظلامية السلفية (داعش والنصرة). والواجب يقتضي -هنا- أن نشير إلى أن ما واجهه أبناء الشعب السوري، في تداعيات الأوضاع وتعقيداتها، وحجم التضحيات البشرية والمادية، واستمرارهم على درب أهدافهم، سيكون أحد ملامح التاريخ المعاصر، بفرادته وخصوصيته التي لا ترتقي إليها كل تجارب الثورات في العالم.

 

لا نقصد بما نقول، أن المثقفين كافة، من مفكرين وفنانين وأدباء، الذين عرفتهم سورية في العقود السابقة، قد خرجوا عن مسار تاريخ التقدم والتحرر الذي تتجه نحوه إرادة الشعب السوري، بكل إصرار وثبات، لكننا نقصد أن الطاقات التي ولدت في سنوات الثورة، ستكون في مقدمة المشهد الثقافي، والإبداعي، وحتى الفكري. والأكيد أن الأكثر خروجًا عن مسار تاريخ البلد ومستقبله، هم “نخب الماضي السياسية”؛ لأنها بغالبيتها الكبرى، بشكل أو بآخر، اختارت لنفسها مكانًا خارج الثورة، إن لم يكن في مواجهتها والانحياز إلى النظام بذرائع شتى، وأكثر تلك الذرائع تهافتًا وسقوطًا، ذريعة تقول:

“إنه مهما يكن النظام؛ فإنه يبقى علمانيًا. أما الساعون لإسقاطه؛ فلا ضمانة أن يكونوا علمانيين وديمقراطيين ومدنيين.!”

ولذريعة العلمانية التي يعلنون مبايعتها وقت آخر للتناول، لكن هذا الادعاء التبريري، محض سقوط أخلاقي، أصحابه لا يثقون بالشعب، ويصادرون التاريخ والمستقبل، لحساب الماضي الفاشي الدكتاتوري. لكن، وعلى الرغم من كل شيء يمضي الشعب السوري نحو أهدافه، ويغير أحصنته، وهو في أصعب أحوال المواجهة، وينتج نخبه المطابقة لأهدافه، والقادرة على بناء مستقبله بعد زوال الطاغية ونظامه، وثمة من هم من نخب الماضي، المتلاحمين مع النخب الشابة الجديدة التي ولدت مع الثورة، وفي لهيبها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق