أدب وفنون

شامبو برائحة التفّاح “عندما تكونُ الأماكن فارغة”

ضمن مجموعته القصصيَّة الأولى (شامبو برائحة التفّاح)، الصادرة عن مؤسسة “جارجرا للثقافة” في مدينة القامشلي السورية، وفي خضمّ الصراعات السوريَّة، يغدو عبّاس علي موسى ناثرًا ألم منطقته  بتفاصيلها اليوميَّة، من ناحية اعتماده على سرد العيش والحياة؛ حيث تغدو المسافة -دونما توريَة- قصيرة جدًا بين المكوث في الحرب، والرغبة في الرجوع إلى زمن سلم مضى. ثمّة ما يمكن التقاطه بسرعة وبديهيَّة: الألم المنثور على شكل قصصٍ مكثَّفة المعنى ومقتضَبة، وكأنّه -على عجالة- يريد أن يحكي ويسرد؛ لينهي الوجع؛ دورٌ شبيه بالعقاقير المهدّئة، فالكتابةُ -هنا- تصبح فعلًا لسدّ الفراغات في الذكرى.

 

ما من شك أن الأوضاع السورية خلقت جيلًا بالغ التكثيف، من ناحية الشعور بالألم اليومي المُعاش، هذا ما يود عباس أن يدونه باستخدام اللغة المكثفة، تبعًا لتعقّد سير الأوضاع في البلد، ووفق دلالات لغوية مقتصدة، يلهو القاص بلعبة الحديث عن أجيال مضت وأجيال تقبل على الخراب السوري بكل ثقة! وعلاوةً على التكثيف يغدو الشعر مسيطرًا في أغلب قصص المجموعة، وكأن الطريق الذي سلكه، في خط سيره نحو القص، قد خانه؛ ليقع في مطب الشعرية. هذا ما يبدو للوهلة الأولى، إلّا أنّ التعمق كفيل بتوضيح الالتباس، ففي نص “المدينة مخنوقة”، وأيضًا نص “بالون”، ثمة تركيز على الضَّياع في الآن نفسه الذي يغدو فيه النص -فجأة- شعريًا:

“لم تستطع الشمس أن توقظه من غيبوبته، على الرغم من أنها عصرتْ عليه غيمةً بأكملها”.

التحوّل -في أثناء الكتابة- فعل لا إرادي، ولا يمكنُ معه للكاتب أن يقولب ذاته الكتابية ضمن جنس معين، ليس ذاك خلطًا أو مزجًا مقصودًا، إنمّا فعل الكتابة أمر محيِّر، ولا يمكن تفسير السبب مطلقًا.

 

تمضي المجموعة القصصية؛ لتنقل لنا عوالم تبدو ضبابية، وليست بعيدة عن العالم الرّاهن؛ فاستخدام مفردات وعناوين، مثل” (الجثث)، (الموتى)، لها دلالاتها العميقة في سرد اليومي السوري، وستكون بمنزلة دليل للتفسير أدبيَّاً، أو على الأقلّ، محاولةٌ ما سرديَّة لحكايات سورية القديمة والحديثة.

 

سردُ الحاضر

في قصّة “محارم معطّرة”، وفي المقدّمة نقرأ “حكمة العجائز”، كما هي، وبكل تفصيلاتها الاجتماعية : “تقول العجائز بأنَّ السنة التي يكون شتاؤها قارسًا، غالبًا ما يكون صيفها ملتهبًا، العجائز، يا إلهي من حكمتهن الصلبة التي تدفعهن للحديث عن لهيب الصيف، ونحن لا نزال نعاني البرد الذي تغلغل في عظامنا”.

 

سرد الحاضر بناءً على رؤية الأمس أمر معقد للسوري الراهن، كما أن الاستكانة والقبول بما يجري من دون إيجاد الحلول، أمر مزعج في المجتمع؛ وبالتالي، يجبر على الاستكانة لأي وضع، إن حاضرًا كان أم مستقبلاً. هذا ما تفصح عنه المجموعة القصصية في أغلب النصوص الواردة. المجتمع يصرخ (تَعِبنا، نودّ أن نرجع إلى الوراء، كفى!) وعلى الرغم من قِصَر النصوص، إلّا أنها تلعب دور المحرض على الذكرى، والتفكّر في السنوات القليلة الماضية، سواءً للكاتب نفسه أم لحيوات بقية شخوص القصص التي تشبهنا إلى حد ما؛ لنغدو أمام تسلسل زمني، يمارس القسوةَ إزاء البشر، وبكل صفاقة! وعلى الرغم من أن أغلب النصوص مكتوبة منذ زمن طويل -إلى أن تسنّى نشرها في كتاب- فثمّة ما هو استشرافيّ تنبؤي؛ وهذا هو السرّ القديم للتدوين.

في الحروب تضج الأماكن كلها بالفراغ ونبصر الحقيقة جالسة لوحدها على مقعد الانتظار، بجانب حديقة. هذا حال السوري، وهو يدوِّن الفراغ، علّ الكتابة تعيد الرونق للحديقة الخَرِبَة بفعل الحروب، ولعلنا نخرج من لعبة الـ (سو دو كو)، بنسختها السوريَّة بأقلّ خسائر ممكنة

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق