مقالات الرأي

نقاش بخصوص الجماعات العسكرية في الثورة السورية

احتلت جماعات المعارضة العسكرية مشهد الصراع ضد النظام، منذ سيطرتها على مناطق واسعة في أنحاء سورية كافة، ولاسيما سيطرتها على أجزاء من حلب في تموز/ يوليو 2012.

 

هكذا طغى شكل الصراع المسلح على الثورة السورية، مع تأكيدنا أن النظام هو المسؤول عن فتح هذا الباب على مصراعيه، بانتهاجه -منذ البداية- الحل الأمني، مع إقحامه الجيش، واستخدامه البراميل المتفجرة والصواريخ الفراغية، وبإدخاله إيران وروسيا، مع ميليشيات حزب الله وميليشيات عراقية؛ للحفاظ على سلطته.

 

نجم عن هذا التحول في مسار هذه الثورة عديد من التداعيات، أولها، خروج الشعب من معادلات الصراع ضد النظام؛ ما أدى إلى اختفاء الفعاليات أو التظاهرات الشعبية، التي وسمت الثورة بطابعها في الأشهر الأولى، وذلك بحكم تعمّد النظام البطش بالمناطق الشعبية الحاضنة للثورة، بإمعانه فيها قتلًا وتدميرًا، وبمحاصرتها، وتحويلها إلى حقل رماية لطائراته ومدفعيته، وبحكم تشريد معظم سكان هذه المناطق كذلك. وثانيها، أن الجماعات المسلحة، أضحت بمنزلة سلطة في المناطق التي تسيطر عليها؛ مع كل ما طبع ذلك من تداعيات سلبية، عليها وعلى السوريين، وعلى العلاقة بين الجسمين: السياسي والعسكري في الثورة؛ مع تمييزنا بين قيادات هذه الجماعات ومرجعياتها، وبين المنخرطين فيها، بغرض مصارعة النظام. وثالثها، أن هذه الجماعات، على اختلافاتها وتبايناتها وتنافساتها، باتت هي التي تتحكم بثورة السوريين، وبوتائر عملها، على حساب الكيانات السياسية، وأحيانًا كثيرة بالتعارض معها، ولاسيما في ما يتعلق بالخطابات. ورابعها، وربما هذا هو الأهم، أن معظم هذه الجماعات، كانت قد نشأت على الضد من “الجيش الحر”، وليس على أساس التنافس معه فحسب، وأنها كانت ذات لون أيديولوجي معين، وأسهمت في أخذ الثورة السورية نحو خطابات معينة، تستمد مرجعيتها من الدين، وهذا ضمّنها حمولات طائفية؛ ما أثار مخاوف بعض المكونات السورية، وأضعف صدقيتها أمام العالم.

 

على أي حال، يمكن اعتبار بروز هذه الجماعات بمثابة نتاج عفوي للانفجار الحاصل في المجتمع السوري، إذ بات السوريين فجأة إزاء بعضهم وجهًا لوجه، أي إزاء حال التنوع والتعددية في مجتمعهم، بعد أن عاشوا طويلًا على أسطورة أنهم جزء من أمة واحدة، وأنه لا فرق بين واحد وأخر، وهي الادعاءات التي غذّتها أيديولوجية البعث، وكرسها احتلال نظام الأسد الفضاءين العام والخاص، وكانت بمنزلة غطاء يحجب واقع الافتقاد للحريات ولحقوق المواطنة، وهيمنة السلطة، في نظام لا يعترف لا بخصوصيات ولا بحقوق الجماعات أو الأفراد.

 

ثمة ملاحظات عدة، يمكن التطرق إليها في هذا الخصوص، أهمها:

أولًا، إذا كان ظهور هذه الجماعات أمرًا عفويًا وعاديًا في البدايات، فإن بروزها وصعودها وتسيّدها المشهد -في ما بعد- لم يكن كذلك، كما لم يكن بسبب نموها الطبيعي، أو بسبب التفاف السوريين من حولها، وإنما بسبب الدعم الخارجي الذي تدفق عليها تحديدًا، دونًا عن “الجيش الحر”، أو دونًا عن الجماعات الأخرى، التي تستمد مرجعيتها من الفكرة الوطنية؛ وهو أمر اشتغلت عليه دول وقوى معينة، كان يهمها طبع الثورة بطابع أو بلون معين دونًا عن غيره.

 

ثانيًا، إن القول بأن المجتمع السوري هو بمنزلة حاضنة طبيعية جماعات -كهذه- غير صحيح البتة؛ لأن نمط التديّن السوري ليس من النوع الأيديولوجي، وإنما هو نمط تديّن مرن ومعتدل، ولا يقبل التطرف أو التعصّب. وعلى أي حال فإن المجتمع السوري، والمقصود المحسوب على “السنّة” هنا، لم يعرف نشوء جماعات متطرفة، وهي إنْ نشأت في بعض الأطراف، فإنها ظلت معزولة، وضعيفة، وعمومًا، فهذه إحدى دعايات النظام التي يحاول من خلالها تبرير ذاته، وادعاء أنه بتسلطه إنما يحمي “الأقليات”. وكما هو معلوم، فقد بيّنت وقائع الثورة السورية أن حزبًا تاريخيًا وعريقًا مثل جماعة الإخوان المسلمين ليس على هذه الدرجة من النفوذ، فضلًا عن أن هذا الحزب كان له مقاربة لافتة وذكية في بدايات الثورة، تمثلت بوثيقة “العهد والميثاق”، التي أكّد فيها تبنيه لمستقبل سوريا، كدولة مدنية ديمقراطية، يتساوى فيها كل المواطنين، في الحقوق والحريات. وقد شهدنا أن هذا الحزب بدا ضعيفًا حتى إزاء الجماعات العسكرية الإسلامية التي انتشرت في السنوات الخمس الماضية.

 

 

ثالثًا، إن القول أن هذه الجماعات هي بمثابة تعبير عن ثورة (السنة) هو قول غير صحيح، وهذا ادعاء يروّجه النظام أيضًا، أما تبنّي ذلك فهو يصبّ في خانة التشكيك بصدقية الثورة السورية كثورة ضد الاستبداد، ونزع شرعيتها باعتبارها ثورة كل السوريين، من أجل الحرية والمساواة والمواطنة، والديمقراطية. فضلًا عن كل ذلك فإن الأخذ بهذه الدعاية، عن حسن نية أو عن سوء نية، يستبطن رؤية طائفية للثورة، بدل النظر إليها كثورة وطنية ديمقراطية. وفي الحقيقة فإن “السنّة” لم يروا أنفسهم، عبر التاريخ، لا في سورية ولا في غيرها، كطائفة، ولا يتعاملون على هذا النحو مع المكونات الأخرى، أي: كطائفة إزاء طائفة، علاوة على إنهم ليسوا بحاجة إلى ذلك كأكثرية. وبديهي أن هذا ليس له علاقة بكون السلطة منهم؛ إذ إن السلطة لم تحكم كطائفة، وإنما حكمت كسلطة عائلية، من أيام الخلافة الأموية إلى اليوم، أي: إن “السنّة” لم يكونوا في السلطة كطائفة أو كجماعة طائفية في يوم من الأيام، ثم إن هذه الطائفة -إن جاز التعبير- تتوزع على كل التيارات: الدينية، والعلمانية، والقومية، واليسارية، والليبرالية، وغيرها

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق