أدب وفنون

تبادل الأسرار بين غرباء الحروب

مطعم آل أوزاجي، يقع جانب بحيرة، غير بعيد عن الغرفة التي سكنتُها في هذه القرية التركيّة، عندما جئتها هاربًا من الحرب في بلادي. المطعم متواضع؛ فهو بيت السيدة أوزلام، تساعدها ابنتها الوحيدة روهان، وزوجها أغور، وأحيانًا شقيقتها سينور، يقدمون الطعام والشراب للرواد في فسحة البيت، عندما لا تمطر، وفي أثناء المطر يقدمونه في غرفة واسعة جانب المطبخ، كلهم يجيدون اللغة العربية، لكن بنسب متفاوتة.

هنا، ثمّة عجوز أرمني، يعزف الموسيقى -كلّ ليلة- للمخمورين على الأكورديون، مقابل أن يحصل على طعامه ومنامته، في الغرفة المجاورة للمطبخ، مرّة همستْ لي أوزلام: إن هذا الأرمني -العجوز أنوش- تجاوز المئة من عمره، ولد في هذه القرية من أبوين هربا من حرب قديمة.

أنا وأنوش تجاهلنا بعضنا طويلًا، إلى أن جلس -ذات ليلة- أمامي منضمًا إلى طاولتي؛ ليخطف كأسي، ويشرب ما فيه من نبيذ.

ـــ شكلك يشبه أشكال الموسيقيين. هل تعزف على آلة ما؟

ـــ لست موسيقيًا. أجبته، وأنا أشعل -دون مبالاة- سيجارة.

ـــ لماذا لم تحاول، في حياتك، تعلم العزف على آلة موسيقية؟

ـــ طالما هنالك أناس يتعلمون الموسيقى، ويعزفون لنا، لماذا نتعب أنفسنا بهذا؟!

ـــ تروق لي كثيرًا أيها الوغد.

ولكمني على كتفي مبتسمًا، تلك الليلة، أنا والعجوز أنوش شربنا كثيرًا، كنّا مخمورين. في عينيه شاهدتُ نهايتي، وفي عينيّ شاهد بدايته.

بدأتُ أشعر بالملل مؤخرًا من سينور، ما إن تلمحني على طاولتي حتى تقترب مني لتقول لي مبتسمة: روهان معجبة بك.

لا أعرف كيف أشرح لها دون تعقيدات فلسفية، أن الصغيرات اللواتي لا يزلن في مرحلة (أرجوك، لا تعاملني كـ جسد، لدي روح) لا يرقن لي أبدًا.

في إحدى الليالي، بعد أن انتهى من العزف، في ساعة متأخرة، جلس إلى طاولتي أنوش، شربنا معًا، تحدثنا عن أغلب حروب هذه المنطقة، انتبهنا لمشاجرة، علا ضجيجها في المطبخ، بين أوزلام وأغور، قال لي أنوش، وهو شبه مخمور:

ـــ دائمًا يتشاجران، منذ أن تزوجا، هي مؤمنة، وهو غير مؤمن. هنالك تناقض كبير بين عقليهما وروحيهما. هل أنت مؤمن؟

ـــ بصراحة لا أعرف -شربتُ كأسًا وأجبته- أنا لست مؤمنًا، وأيضًا لست غير مؤمن!

ـــ لماذا؟ سألني، فأجبته دون اكتراث: يمكن، لأن حياتي جميلة.

باهتمام، انحنى عليّ: لم أسمع في حياتي مثل هذا الجواب.

ـــ ولا أنا سمعتُ في حياتي مثل هذا الجواب.

ضحكنا وشربنا، ثمّ حكيتُ له عن مأساة الأسابيع الثلاثة في الجامعة:

ـــ منذ سنوات أقمتُ في السكن الجامعي مع أحمقين، الأول يريد أن يكون شاعرًا، وكلما فشل في كتابة قصيدة، تزداد أدلته على وجود الإله دليلًا بحسب ثرثرته، الآخر يريد أن يصير موسيقيًا، وكلما فشل في العزف على آلة العود، تزداد أدلته دليلًا على عدم وجود إله، بحسب ثرثرته كذلك.

ـــ وأنت؟

سألني أنوش وهو يسكب لي كأس نبيذ، أردفت:

ـــ لم أعد أحتمل نباح أدلتهما المتناقضة، تركتُ لهما الغرفة؛ لأستأجر أخرى في بيت امرأة مطلقة، ما أجملها! المطلقات يُجدن المداعبة ــ غمزته ثمّ صرختُ به: نخبك.

ضحكنا وشربنا، اقتربتْ مني أوزلام، في المساء التالي، قدمتْ لي الشراب، ثمّ وضعتْ على الطاولة ألبوم صور، بحثتْ فيه قليلًا؛ لتخرج عدة صور، وأنوش يجلس جانبي بفضوله المعتاد.

ـــ أظن أنهم من مدينتك. جاؤوا إلى هنا في رحلة سياحية منذ عقدين تقريباً، هل تعرفهم؟

نظرتُ في الصور التي ناولتني إياها، خفقة عالية للقلب، سمعها أنوش وحده.

ـــ لا أعرفهم جيدًا. أعتقد أنهم من المعارف.

ـــ هل تعرف هذا الرجل، هو الآن عجوز.

أشارتْ بسبابتها إلى رجل أسمر، في صورة له مع آخرين، خفقة عالية أخرى في القلب، وحده أنوش من سمعها.

ـــ ليس بغريب عليّ، لم أتذكره، سوف أسأل عنه -لأجلك- بعض الأصدقاء قريبًا.

ومضتْ أوزلام إلى مطبخها تجر خيبتها خلفها.

ـــ متى أحببت أول أنثى أيها المشاغب؟

سألني، وهو يقفز كمهرج؛ ليجلس أمامي، أجبت أنوش مبتسمًا:

ـــ كانت هند، أثناء مراهقتنا في حارتنا القديمة، كلّ شبان الحارة كانوا يكتبون فيها -آنذاك- قصائد حلوة.

ـــ وأنت، كم قصيدة كتبت في جمالها؟

ـــ ولا قصيدة.

ـــ لماذا؟

ـــ لأنني على عكسهم، كنتُ أصل بسهولة إلى نهدها خلف بيتنا.

ضحكنا وشربنا، نهض أنوش، وهو يترنح، تغيرتْ -فجأة- ملامح وجهه، همس لي بتعاسة:

ـــ انتبه، في ثانية ما، قد تنهار ثقتك بنفسك كلها؛ لتصير عاريًا،  وقتئذ، مطر السماء لن يرحمك.

ومشى -بتثاقل- إلى تلك الغرفة؛ لينام.

شربتُ كثيرًا، كانوا كلهم نيامًا، نويتُ أن أغادر، اقتربتْ أوزلام، بثوب جميل، وبيدها كأس نبيذ، تجيد تعتيقه، في كلّ موسم لعنب قريتها، لم يكن لدي القدرة على الكلام، حدثتني من بين ابتساماتها، وهي تشرب:

ـــ إن جلبت لي معلومات مهمة عن ذلك الرجل، سوف أعدّ لك طبخة شهية، مع زجاجة نبيذ، عتّقتها عندما زارنا ذلك الأسمر، ولم يتبق غيرها.

تحاملتُ، وقلتُ بحنق:

ـــ لماذا أنت مهتمة به كثيرًا؟

تنهدتْ -بحزن- هذه السيدة الأربعينية، كأنها غيمة، عثرتْ -أخيرًا- على أرض، تستحق مطرًا حبسته داخلها زمنًا طويلًا:

ـــ كانت لديه أجمل عينين ساحرتين في العالم، عينان تُربكان أيّ أنثى، بقشعريرة دافئة، تهز كلّ خلاياها. قالتْ وهي تشرب، أشعلتْ سيجارة وتابعتْ، كأنها تروي لي حلمًا: شرب هنا في مطعمنا مرات عديدة، كان يرقص بشكل جميل، في عينيه كانت كآبة عميقة، تبدو أكبر من عمره، وأيضًا، في عينيه كانت شهوة غامضة، تعادل شهوة عدة رجال، عندما كان يشرب، تلك الكآبة وتلك الشهوة تمتزجان ببعضيهما في عينيه، بشكل يسحر الأرواح.

كانت تحكي لي عنه، وهي تميل نحوي، تشرح، وتميل نحوي، تصف، وتميل نحوي. فجأةً، حدّقتْ بي، شهقتْ، ارتبكتْ؛ لتنهض، وتسرع -متعثرة بثوبها- إلى المطبخ، للمرّة الثانية في حياتها، ثمّة عينان بمزيجهما الغرائبي تهزان كيانها.

أخذتُ عن الطاولة كأسها؛ لأشربه، وأعبَّ من سيجارتها التي نسيتها هنا، كنتُ أفكر به، رجل تلك الصور، بدأ المطر يهطل، وعلى ضوء شاحب للقمر نهضتُ؛ لأمشي، كان شبح أوزلام خلف شباك المطبخ، عبرتُ الباب، امتدتْ -فجأة- يدها نحوي، من عتمة باب مطبخها؛ فبللها المطر، تأملتُ كفها، ترددتُ قليلًا، أمسكتها؛ فشدتني.

الجلبة الفاجرة السريعة التي أثارها شبه عرينا المخمور، على أرض المطبخ، مع لهاث أشرق وغرّب بغتة، لم تستغرق أكثر من دقائق، نهضتُ عنها، وأسرعتُ بالخروج من هنا، مشيتُ وخلفي تمشي قصص كثيرة من ليالي حياتي في بلادي، وكان المطر عليّ قاسيًا.

يختلف تعريف التعاسة باختلاف الأمكنة، شرحتُ للبحيرة -مخمورًا- عندما وصلتها خائفًا، أشد ثيابي على جسدي، إنها -مثلًا- في مطبخ معتم، اختلاط شهواني بين جسدين من عمرين مختلفين.

من بلادي إلى هذه البلاد، أنا -دائمًا- عشيق مثالي للسيدات الكبيرات، الصغيرات اللواتي لا يزلن في مرحلة (أرجوك، أريد قليلًا من الحنان) لا يناسبنني، أعاملهن بغرور، أبدو حلًا ملائمًا، عابرًا للحدود، لكلّ خيبة تجاوزت عقدها الرابع.

ـــ لديك سر، وأنا أيضاً لدي سر، أظن أنهما على صلة قربى. ما رأيك أن نتبادلهما؟

قال أنوش من خلفي، التفتُ إليه، فظلّ ينظر إلى البحيرة.

تبادل الأسرار في أثناء ليل ممطر، بين غريبين في أرضٍ غير أرضهما، يشبه تبادل الأسرى بين فصيلين إرهابيين.

بصوت مرتجف اعترفتُ له.

ـــ الرجل الذي تسألني باهتمام عنه أوزلام، هو والدي، توفي منذ سنوات.

مسح عن وجهي ماء المطر، قال لي أنوش:

ـــ عندما جاء والدك إلى هنا، أحبته أوزلام، ذات ليلة كانا مخمورين، ولا يوجد أحد في المطعم، كانت الساعة متأخرة، عبثا ببعضيهما في العتمة، آنذاك راقبتهما من باب المطبخ، كما فعلتُ الليلة معكما.

رميتُ جسدي في البحيرة، أسرع أنوش وأنقذني من الغرق، حملني إلى غرفتي حيث غيّر ثيابي المبللة. كنت أهذي، وضعني على سريري وغطاني، جلس إلى جانبي، وأنا شبه نائم، وقصص حياتي يتداخل بعضها في بعض، داخل نصف نوم. غنى لي أغنية بلغة لا أفهمها، لكنني -خلال شبه نومي- شعرتُ أن هذه الأغنية نجتْ بأعجوبة من حرب قديمة.

استيقظتُ صباحًا، هو كان نائمًا، لم أكترث له، ارتديتُ ثيابي وثقتي بنفسي، جمعتُ أشيائي في حقيبة، وخرجتُ ناويًا السفر، بعد شارعين صرخ أنوش من خلفي:

ـــ لا أعرف -مستقبلًا- في أيّ قرية أجنبية سوف تكون، لكنني متأكد، سوف تكون عجوزًا، وسوف تكون كلّ أسرارها لك.

لم أهتم لكلامه، ولم ألتفت إليه، لكن عصفورًا مرّ فوقي، ذارقًا على كتفي؛ ما أجبرني على الالتفات، ناويًا شتمه.

شاهدتُ أنوش، جاءتْ عينيّ في عينيه، بصمت لوّحنا مودعين بعضينا.

هو لوح مودعًا بدايته، ومضى مبتعدًا عنها.

وأنا لوحتُ مودعًا نهايتي، ومضيتُ مبتعدًا عنها.

 

مصطفى تاج الدين الموسى

الريحانية:19/1/2016

مقالات ذات صلة

إغلاق