ترجمات

الخطر الحقيقي لوقوع صراع أميركي روسي من دون نية مسبقة

من المحتمل وقوع حرب بين روسيا والولايات المتحدة الآن أكثر من أي وقت مضى، منذ أسوأ سنوات الحرب الباردة. قد يبدو ذلك “غير وارد” أو مبالغًا فيه في نظر صناع السياسات، والصحافيين، وحتى الجمهور الأوسع. ولكن الواقع يبقى أن زيادة التعزيزات من الدولتين مع تقليص الحوار المباشر بينهما بشدة، يعني ارتفاع إمكانية وقوع حوادث خطرة سوف يصعب نزع فتيلها، أو تهدئة تصعيدها.

ففي قمة حلف الناتو الأخيرة التي عُقدت في وارسو، أوضح رؤساء دول الحلف التزامهم حماية المناطق المهددة من أعضاء الحلف من الدول الشرقية. وخططوا لنشر أربع كتائب –نحو أربعة آلاف جندي مقاتل- في شرقي بولندا ودول البلطيق، في الجوار القريب من عاصمة الروس التاريخية سانت بطرسبورغ، وحصنها العسكري المعزول في كاليننغراد، والمحاط بالكامل بدول أعضاء في الحلف، والذي يبعد 500 كيلومتر فقط عن برلين. وضمّنت المشاركة الأميركية مبادرة مالية أوروبية تطمينية، تقدر بنحو 4 بلايين دولار ستدعم تناوب القوات، ومهمات التدريب، والمزيد من المناورات العسكرية مع شركاء وحلفاء الولايات المتحدة الإقليميين، بمن فيهم جورجيا وأوكرانيا. وطلبت كل من رومانيا وبلغاريا -وكلا البلدين حلفاء مع حلف الناتو، وكلاهما يشترك في حدود واسعة مع البحر الأسود في الخاصرة الجنوبية لروسيا- من الناتو إرسال قوات بحرية، بينما يتضمن نظام الدفاع الصاروخي الذي تنشئه أوروبا وتقود أميركا عملياته بطاريات صواريخ اعتراضية في كل من بولندا ورومانيا.

إن كان ذلك كله يبدو لكم تحضيرًا يقوم به حلف الناتو للتصدي لهجوم روسي محتمل ضد أعضائه الشرقيين، فلأنه نوعًا ما: كذلك. لا أحد من مناصب رفيعة في الناتو أو في منظومة الدفاع الأميركية يتوقع اجتياحًا روسيًا تقليديًا لأي بلد من حلف الناتو؛ ولكن ما يثير المخاوف بالدرجة الأولى هو احتمال وقوع هجوم هجين، من طرف من يدعون بـ “الرجال الخضر الصغار” الذين عينتهم موسكو في شبه جزيرة القرم وشرقي أوكرانيا، أو تأثير روسي شائن عبر الضغط الاقتصادي والدعاية الإعلامية المستمرة. وبدلًا من قتال الروس على أرض الواقع عبر أراضي دول أوروبا الشرقية أو في أعالي البحار، يهدف الناتو بالأحرى إلى طمأنة حلفائه القلقين من الدول الشرقية، بشكل يمكنهم من تولي المسار الأصعب من التطوير الديبلوماسي والمحلي والاقتصادي، وهو ما يلزمهم لتخفيف نقاط ضعفهم.

وذلك كله منطقي في حد ذاته. لكن المشكلة تكمن في أن تطمينات الناتو وجهده ليسوا بالمجّان، وكلما قام الناتو بنشر قواته في جوار روسي، يتعهد الروس بالرد على طريقتهم. وقد راوحت ردود الروس حتى الآن من مناورات عسكرية سريعة إلى إنشاء ثلاثة مقارّ عسكرية في حدود أوكرانيا الشرقية، ونشر صواريخ ذات قدرة نووية في كالينينغراد.

 

ومع تزايد تكثيف نشر الجند، والدبابات، والسفن والطائرات الحربية في مواقع متجاورة، ليس من المفاجئ أن يشكو الطرفان من حوادث “شبه خاطئة” في البحر والجو، أشدها كان في نيسان/ أبريل، حين أطلقت مقاتلة روسية قذيفة مرت على علو عشرة أمتار فقط من جسم سفينة أميركية من طراز دونالد كوك في بحر البلطيق. وحين سئل ريك هوفمان، ربان السفينة، لماذا لم ترد المدمرة الأميركية بإطلاق قذائف تحذيرية أجاب “نحن لسنا في حالة حرب مع روسيا”.

ولسوء الحظ، قد لا يطبق مثل ذلك الرد الهادئ في السماء السورية، حيث تقع قوات الأميركان والروس في أماكن متجاورة تقارب حدّ الاشتباك، بينما تدور حرب بالوكالة بين حلفاء للروس وحلفاء للأميركان على الأرض. وفي تشرين الثاني/ نوفمبر أسقطت صواريخ الدفاع الجوي التركية طائرة روسية من طراز “إس يو-24” ادّعى الأتراك اختراقها للحدود السورية التركية، مما اضطر الناتو إلى التنصل بصمت من حركة أنقرة، ما أخسر الحلف شيئًا من صدقيته الجمعية. وفي حزيران/ يونيو، قصفت طائرة روسية مواقع في الجنوب السوري قالت الولايات المتحدة إنها مناطق يسيطر عليها الجيش السوري الحر، وانطلقت طائرات “إف-18” لتحذير الروس وحثهم على الابتعاد، لكن الطائرة الروسية نفذت قصفًا ثانيًا في أثناء وجود الطائرات الأميركية في المنطقة.

هي مسألة وقت فقط قبل أن تتكرر حوادث خطرة كتلك بين الروس والأميركان أو قوات الناتو. والسؤال هو: ما مدى جاهزية كل من الطرفين لإدارة عواقب حوادث كتلك. وبالحكم على وضعية العلاقات بشكل عام، يمكن الإجابة بـ: “ليس بشكل جيد على الإطلاق”.

 

خلال الحرب الباردة، وقعت أحداث خطرة بين “الأحمر والأزرق” على الرغم من عدم وجود نيات للتصعيد أو تفجير أزمات شاملة، مثل التي وقعت في برلين عام 1961 وكوبا عام 1962، ولكن تبعها لحسن الحظ انفراج بين موسكو وواشنطن. وعلى الرغم من إدراك الطرفين التناقض الكلي بين أيديولوجيتيهما، لم يتمكن أي منهما تدمير الآخر، وبذلك سبّق الطرفان إدارة المخاطر والتكاليف على التنافس. ومنذ ذلك الوقت، استفادت العلاقة بين البلدين لا من الابتكارات التقنية الحديثة –مثل الخط المباشر الشهير بين الكرملن والبيت الأبيض- فحسب، بل كذلك من الاتصال المتكرر بين الشخصيات الرسمية العسكرية والمدنية على مستويات مختلفة، والآليات الرسمية لإدارة الصراع، مثل الاتفاقية البحرية التي وقعت عام 1972، وهدنة سلاح الجو المفتوحة، وهدنة القوات المسلحة التقليدية في أوروبا (سي إف إي) ووثيقة فيينا.

ويمكن المقارنة بين البنية التحتية لعمليات إدارة الصراع قبل ثلاثة أو أربعة عقود، وبين الوضع الحالي للمواجهة الأميركية الروسية. فعلى الرغم من قيام الرئيسين فلاديمير بوتين وباراك أوباما بعشرات الاتصالات المباشرة والمحادثات وجهًا لوجه، ولقاءات ديبلوماسييهما رفيعي المستوى لتبادل العروض بما يخص سورية، وأوكرانيا وبعض القضايا الأخرى الضاغطة؛ تم تفكيك عرى القنوات الرسمية لإدارة المخاطر. وفي أعقاب الاجتياح الروسي لأوكرانيا، أعلنت واشنطن تجميد أعمال اللجنة الرئاسية الثنائية، بما في ذلك مجموعة العمل العسكري المشترك. وكذلك علّقت لقاءات مجلس الناتو وروسيا. ومن جانبهم، انسحب الروس من اتفاقية الهدنة في أوروبا (سي إف إي) واتُّهموا بارتكاب خروقات متكررة لالتزامات أخرى، من وثيقة فيينا إلى اتفاقية الأسلحة النووية ذات المدى المتوسط (آي إن إف).

وما يدعو إلى القلق بشكل أكبر بكثير من الحالة المتدهورة لآليات إدارة الصراع الرسمية هو الحالة العقلية لكلا الطرفين. لقد خبر القادة الروس والأميركان على مدى نصف قرن من الزمن الآثار التدميرية للحرب العالمية الثانية، وأكثر الصراعات بالوكالة بشاعة للحرب الباردة في فييتنام وأفغانستان. وأدركوا مدى ضرورة احتواء التنافس السوفياتي الأميركي، بغرض ضمان عدم تصعيد تدخلات من الطرفين اللذين يملك كل منهما قوات عسكرية هائلة إلى حرب غير منويّة، بين الجيشين التقليديين، أو ربما حتى بين القوتين النوويتين.

“ما يدعو إلى القلق بشكل أكبر بكثير من الحالة المتدهورة لآليات إدارة الصراع الرسمية هو الحالة العقلية لكلا الطرفين”

تسود الآن طريقة مختلفة في التفكير، فمع مرور ثلاثة عقود من السيطرة الأميركية المرضية للأميركان، ليس لديهم عادة التعامل مع منافسين من النوع التي تتجه روسيا إليه. وبدلًا من ذلك، تقتنع واشنطن على نطاق واسع أن الروس قوة قاصرة هيكليًا، وليست لديها القدرة على تحدي الولايات المتحدة على المدى الطويل. ومن جانبهم، يرى القادة الروس تمددًا وسيطرة بشكل مبالغ فيه من طرف الأميركان بحيث يصعب عليهم جمع الموارد أو الانتباه إلى إدارة التحديات التي تضرب في الداخل الأميركي ذاته، فضلًا عن تلك التي تبعد آلاف الكيلومترات. وينتظر البعض بأمل عال عاصفة الرياح التي ستدمر بيت أوراق قوة الولايات المتحدة.

قد يكون أحد الطرفين، أو كلاهما، محقًا في رؤيته على المدى الطويل. ولكن، بين الحين والآخر، يقوم كلاهما بمخاطرات غير مقبولة قد تؤدي إلى تطور الخصومة عبر مناطق الصراع من البلطيق حتى الشرق الأوسط إلى تصعيد خطر. ولا يعني تخفيف تلك المخاطر هجران الحلفاء أو المساومة على مبادئ ثابتة؛ بل يعني ببساطة تعلم الدروس من التاريخ. فلكل فعل، ردّة فعل؛ ويتطلب منع تلك الدوامة من الدوران والخروج عن السيطرة فتح قنوات نظيفة للحوار، مع قادة مستعدين لاستخدامها.

 

 

 

عنوان المادة الأصلي بالإنكليزية The Real Risk of Unintended U.S.-Russia Conflict
اسم الكاتب بالعربية والإنكليزية       Matthew Rojanskyماثيو روجانسكي
مصدر المادة أو مكان نشرها الأصلي     WPR
“World Politics Review”
مكان النشر الثاني Wilson Centre                  مركز ويلسون للأبحاث
تاريخ النشر     25\7\2016
رابط المادة http://www.worldpoliticsreview.com/articles/19457/the-real-risk-of-unintended-u-s-russia-conflict
اسم المترجم مروان زكريا

 

مقالات ذات صلة

إغلاق