مقالات الرأي

من إقامة المتاريس إلى بناء الجسور

هل يمكن أن يقوم تواصل حقيقي بين السوريات والسوريين بعيدًا عن كل قسر وإكراه وسوء فهم، في ظل تواشج المعرفة والأيديولوجيا وتواطؤ العقل والسلطة؟ وهل يمكن قيام حوار فيما بينهم بتوسط لغة زئبقية مراوغة تقول الشيء ونقيضه في الوقت نفسه، وهل اللغة مجال للاتفاق والتفاهم أم ميدان للغموض والضبابية وسوء الفهم؟ وما مدى إمكانية أن تقوم أخلاق تواصلية في ظل النزاعات المحتدمة على خلفيات إثنية ودينية ومذهبية، ونزوع وحشي إلى احتكار الحقيقة واحتكار السلطة؟

هذه الأسئلة وما يتفرع منها برسم جميع السوريات والسوريين القادرات والقادرين على الكلام والعمل، بل الكلام – العمل؛ على اعتبار الكلام إنتاجًا وتجديدًا للمعاني والقيم، والعمل ترجمة المعاني والقيم أو تحويلها إلى ممارسة اجتماعية وسياسية خلاقة. ومحاولة الإجابة عنها ليست، ولا يجوز، أن تكون من قبيل التمارين الذهنية أو النظرية واستعراض المذاهب الفكرية والسياسية والنظريات الاجتماعية، بل يجب (نعم يجب) أن تكون وليدة الحاجة إلى الخروج من الهاوية التي انزلق إليها المجتمع السوري، ولا يزال يتخبط فيها. (نضع الكلام والعمل أو الكلام – العمل في مقابل الأقوال المكرورة والمقالات أو “الخطابات” الأيديولوجية، التي لكل منها ادعاءاتها وطرق إبرائها أو تبريرها؛ فالأيديولوجيا ليست علمًا وليست فلسفة وليست دينًا، بل هي غبار النزاع المقيم على الثروة والسلطة ومصادر القوة).

لعل الشرط الأولي لإمكان التواصل الإنساني والاجتماعي هو إزالة المتاريس والحواجز المادية والمعنوية، وإزالة الثانية بالحوار والمناقشة العمومية شرط لازم لإزالة الأولى، من أجل التفاهم والتوافق على حلول جذرية للمشكلات القائمة، تلبي مصالح الجميع، بلا استثناء، سوى المجرمين والقتلة، الذين تجب محاكمتهم محاكمة عادلة، هي شرط لازم للنسيان الضروري لتشكل أي مجتمع واستقراره.

ولا يكون الحوار مجديًا إلا إذ خلا من أي شكل من أشكال الإكراه والإرغام والضغط والابتزاز، المادية والمعنوية، التي نصادفها دومًا في “التفاوض”. فالحوار غير التفاوض، لأنه، أي الحوار، يتأسس على استقلال المعرفة عن الأيديولوجيا، من أجل نقدها، واستقلال الفكر عن السلطة، من أجل تعرُّف قواعد تشكلها وآليات اشتغالها، ومعايير ممارستها، والاعتراف المتبادل بالتساوي في الكرامة الإنسانية والكرامة الوطنية والجدارة والاستحقاق، والاعتراف المتبادل بالمصالح المشروعة، التي تتخفى في “الآراء” والعقائد والمذهبيات، والتفريق بين الأقوال والمقالات أو “الخطابات” من جهة، وبين الكلام – العمل، الذي يحفز ملكة الاستدلال، ويجدد المعرفة، بقدر ما يكون منسوجًا من الفكر المستقل والأخلاق التواصلية، التي تبطِّن الكلام والعمل. لذلك لا يكون الحوار مجديًا إلا بين ذوات مختلفة، ولكنها حرة ومستقلة، تعي نسبية محمولاتها وتاريخيتها وقابليتها للنقد والتجاوز.

لا شك في أن إلغاء الإثنيات والأديان والمذاهب من المجتمع أمر مستحيل، ولكن يمكن إلغاء مفاعيلها السياسية، من خلال الاعتراف المتبادل بتساوي المرجعيات الإثنية – اللغوية (القومية) والدينية والمذهبية، التي تلتبس بهويات الأفراد والجماعات، والإلغاء السياسي للملكية الخاصة والدين والعرق، كما اقترح كارل ماركس، في مقاربته (الديمقراطية) للمسألة اليهودية.

ولعل أهم ما في الأمر أن الحوار، في مغزاه الأعمق، لا يكون إلا بين طرفين مختلفين، أو أطراف مختلفة، فهو بذلك يتأسس على واقعية الاختلاف ومعقولية العالم، وينطلق منهما. لذلك نفترض أن الاختلاف هو شكل تعيُّن الحرية، بوجه عام والحرية المدنية بوجه خاص، وشكل ممارستها في المجتمع والدولة، فالحوار، من ثم، تداول للحرية. إمكانية الحوار والمناقشة والنقد هي إمكانية الحرية المدنية المقترنة بالمسؤولية واحترام القانون، وشروط تحققه هي شروط تحققها، وإلا فإن الحرية تظل مقولة فلسفية وقيمة عليا وجوهرًا ميتافيزيقيًا، لا تندرج في الممارسة العملية.

لذلك، نفرق ين الحوار العقيم، الذي قد يقوم بين محمولات الأفراد والجماعات المطموسة ذاتيتُهم وذاتيتُها، والمهدورة إنسانيتُهم وإنسانيتُها، والذين تشكلت أجسادهم الاجتماعية وانضبطت وفقًا لهذه المحمولات، فغدت مجرد أوعية لها وأدوات لحفظها، وبين الحوار المنتج الذي يقوم بين ذوات حرة ومستقلة، تدرك نسبية محمولاتها (أفكارها وقيمها وتصوراتها ومعتقداتها..) وتاريخيتها وقابليتها للنقد والتجاوز. ونرى أن هذا التفريق الضروري يفرضه طابع العلاقات الاجتماعية والإنسانية السائدة في المجتمع، والعلاقات الممكنة، والقيم التي تؤسسها.

فالعلاقات الشاقولية، التي تنتج سلطات شخصية لا تقبل المراجعة والنقد والمساءلة، وأخلاق الأمر والطاعة، لا تسمح إلا بنوع من “حوار الطرشان”، أو بنوع من التفاوض، الذي تحكمه علاقات القوة ونسبة القوى المتغيرة باستمرار، والتي يؤدي تغيرها، في كل مرة، إلى اضطراب الجسم الاجتماعي وتخلخله. وذلك، بقدر ما يكون الأفراد ظلالًا للوجود الإنساني أو وجودًا منسيًا، وكمًّا مهملًا، يغدو معه “عدد السكان” معطى إحصائيًا، وقوى معبأة واحتياطية لسلطات غاشمة.

هذا، بخلاف العلاقات الأفقية والشبكية القائمة على الندية والتكافؤ بين ذوات حرة ومستقلة، والاعتراف المتبادل بالكرامة الإنسانية والوطنية والجدارة والاستحقاق، الذي يسمح بالتناصت والتعارف والتفاهم، وبأشكال من التوافق والتعاهد والتواثق، والتعاقد. فلا بديل من “التفاوض”، وفقًا لنسبة القوى، و”المصالحة” بالإكراه والإرغام، (الجوع أو الركوع)، مما قد تؤول إليه الأوضاع السورية، سوى الحوار بصفته نشاطًا تواصليًا، محفزًا لإنتاج رأس مال اجتماعي وثقافي ورمزي ومادي، مشترك، يفضي إلى الاندماج الاجتماعي والوحدة الوطنية.

لقد أقمنا تقابلًا، على التضاد، بين الضجيج والحوار، هو في واقع الأمر تقابل بين التعصب، بوصفه أساس التفاصل الاجتماعي – السياسي والإنساني، وبين الحوار، بوصفه فعلًا تواصليًا أو نشاطًا تواصليًا، اجتماعيًا وإنسانيًا، أي بين قول بلا فعل، أو “قول على قول” هو مجرد ضجيج، تتحول معه اللغة إلى فخفخة لفظية وبلاغة جوفاء، يتخللها فحيح ذكوري وعنتريات أيديولوجية، وبين فعل تواصلي منتج للمعنى والقيمة، لا تنفصل لغته عن أخلاقياته الإنسانية.

ولما كان الحوار تداولًا للحرية فإنه في الوقت نفسه تداول للمعرفة وسعي مشترك إلى إنتاج حقيقة تواصلية، تقيم الحد على الوثوقية واليقينية المطمئنتين إلى أن المعرفة تساوي الحقيقة، وإلى أن الرأي المدعم بهاتين الوثوقية واليقينية (الدوغماتيكية) لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ فالرأي المستند إلى مقولات دينية ونصوص تأسيسية وفتاوى شرعية، كالرأي المستند إلى مقولات وثوابت “علمية” أو “عِلمانية”، يُرفعان كلاهما إلى مصاف الحقيقة الكلية الناجزة والمطلقة، والخطاب الذي يتأسس عليهما صالح لكل زمان ومكان. فثمة وثوقية يقينية علموية و”عِلمانية” (بكسر العين)، وأخرى دينية/ مذهبية، تتعاوران الخطاب الثقافي والسياسي، وتنتج كل منهما أيديولوجية مغلقة صماء مكتفية بذاتها، وما أكثر ما تتبادلان المواقع. فإن من شأن الوثوقية واليقينية أن تحوّلا التوق أو التطلع إلى وهم، وأن تحوّلا الأخير إلى تعصب، إذ الوهم والتعصب صنوان، وركنان من أركان الاستبداد.

وإذا كان الحوار المجدي يقتضي زحزحة الذات عن مركزها ومركزيتها، فإن هذا لا يتم إلا بشرطين: أولهما قدرة الفرد على أن يضع نفسه في موقع الآخر لتفهم وجهة نظره، والثاني إدراج رؤية الآخر المختلف في الافتراضات التداولية للمناقشة، على أساس المقبولية العقلية ومعاييرها الاجتماعية، لا على أنها الحقيقة. ومن ثم فإن الهدف الأبعد للحوار هو التأليف بين المساواة والحرية، وبين الوحدة والتعدد، بين التشابه والاختلاف، في تركيب يشبه التركيب الكيميائي، وذلك بنزع طابع الإطلاقية عن هذه الحدود. فإن صلاحية المعايير الاجتماعية، أي المعترف بها بين الذوات، لا تتأسس إلا انطلاقًا من تذاوت وتفاهم بين أفراد الجماعة المعنية والمجتمع المعني. فالقناعات المتفق عليها بطريقة تذاوتية تشكل التزامًا متبادلًا بين المشاركين في التفاعل. واعتبارًا لهذه القاعدة فإن “القناعات المونولوجية، أي ما يعدّه كل واحد في داخله صحيحيًا أو خاطئًا لا يمكن أن تؤثر إلا في المواقف الفردية. الحوار واجب اجتماعي، عقلي وأخلاقي للانتقال من إقامة المتاريس إلى بناء الجسور.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق