تحقيقات وتقارير سياسية

معركة حلب وشهر (آب) الذي سيطول كثيرًا

بعد حوالي خمسة أعوام على خروج أهالي حي (الميدان) الدمشقي في تظاهرة حاشدة “يشكرون فيها الله على نعمة المطر” وفقًا لمصادر إعلام النظام السوري آنئذٍ، أُسقطت طائرة روسية في ريف إدلب “كانت تحمل مساعدات إنسانية لأهالي مدينة حلب” وفقًا لمصادر في وزارة الدفاع الروسية.

 

إسقاط الطائرة جاء في وقت تُعاني فيه مدينة حلب حصارًا مُطبقًا عليها من جانب قوات النظام وحلفائه، وقصف جوي روسي يومي، ومعركة طاحنة لفك الحصار عن المدينة تخوضها فصائل المعارضة المسلحة على تنويعاتها، منضويةً في (غرفة عمليات جيش الفتح) و(غرفة عمليات فتح حلب). ويرى محللون أن الخسارة التي منيت بها القوات الروسية المقاتلة في سورية ممثلة بإسقاط الطائرة ومقتل طاقمها، إلى جانب تقدم قوات المعارضة على الأرض على عدة جبهات في معركة كسر الحصار، من شأنها أن تجعل الروس يتخذون خطوات متقدمة أكثر في قصفهم وتغطيتهم الجوية لقوات النظام والميليشيات المقاتلة معها على الرغم من تصريحات لافروف السابقة، التي تقول عكس ذلك، لما تحمله خسارتهم طاقم المروحية التي أُسقطت من دلالات رمزية قد تُعدّ نيلًا من هيبة الوجود الروسي في سورية، وهو الوجود الذي قلب موازن القوى على الأرض منذ أيلول/ سبتمبر 2015. وأيضَا، لما تحمله سيطرة قوات المعارضة على حلب إن تمّت (وهو أمر مستبعد في ظل استمرار منع السلاح النوعي) من ثقل استراتيجي عسكري ينعكس ثقلًا سياسيًا على طاولة الحوار المقبلة مع النظام في جنيف نهاية آب/ أغسطس الجاري، وهو الموعد الذي يتوقعه الوسيط الأممي ستيفان ديمستورا.

 

يأتي ذلك بعد سلسلة من التطورات الدراماتيكية سياسيًا وعسكريًا في الملف السوري، من تفاهم كيري – لافروف والذي سرّبت جريدة الشرق الأوسط نقلًا عن مصادر أوربية مضمونه، ويتضمن من ضمن ما يتضمنه: تنسيق الطرفين للضربات الجوية ضد (داعش) و(جبهة النصرة)، وتأجيل البحث في مصير الأسد إلى مراحل لاحقة، مع التأكيد على أن لا حل في سورية إلا الحل السياسي، وفقًا لوزير الخارجية الأميركي.

 

الخطوة اللاحقة والتالية مباشرة لذلك (التفاهم) كانت إعلان جبهة النصرة فك ارتباطها بتنظيم (القاعدة)، واستمرارها في القتال ضمن (جيش الفتح) تحت مسمى آخر هو (جبهة فتح الشام)، وهي اليوم من القوى التي توجد بحضور قوي في (معركة فك الحصار عن حلب)، أو ما يُعرف بــ (الملحمة الكبرى).

 

والحال، إن تأجيل البحث في مصير الأسد، وفقًا لتسريبات التفاهم المذكور، يحمل معنىً مناقضًا لمقولة كيري: إن “لا حل في سورية إلا الحل السياسي”، وهذا مفهوم في إطار سياسة إدارة أميركية خبرها السوريون والعالم جيدًا، تعتمد إعلاميًا سياسة النأي بالنفس تجاه سورية كأي (دولة) من (دول) العالم الثالث، وتُتيح استمرار المقتلة السورية كما تُتيح أيضًا نفوذًا روسيًا إمبراطوريًا لم يكن فلاديمير بوتين ليحلم به إلا في عهد رئيس مثل باراك أوباما.

 

ليس ثمة ما يشير حتى الآن إلى أن الرئيس الأميركي مستعجل على (الحسم السياسي) في سورية أواخر أيام ولايته الرئاسية، كما أنه من المستبعد أن يعقد بوتين صفقة كبرى بهذا الحجم ممثّلة بحل سياسي مع رئيس الدولة العظمى التي تدخل هذا الشهر في سُباتها الانتخابي على صعيد السياسات الخارجية. حل سياسي لن يكون واقعيًا، كما يدرك الروس جيدًا، إلا بإزاحة الأسد عن السلطة. عدا ذلك الحل، ثمة وعود وتسويفات ومماطلة تغطي العمل على الحسم العسكري لمصلحة الأسد.

 

يتفق مراقبون ومحللون عسكريون وسياسيون في وسائل الإعلام، ومن مختلف الأطراف والاتجاهات والمواقف تجاه ما يحدث في سورية، على أن معركة حلب هي “أم المعارك” في البلاد، والرابح فيها سيخرج شبهَ منتصرٍ في الحرب المستمرة منذ سنوات. ومن المبكّر الحكم على تطور مسار الأمور وشكل الخريطة العسكرية على الأرض في حلب ومحيطها وثباتها على صيغة نهائية، خصوصًا أن النظام يُحاصِر مناطق ويُحاصَر في غيرها، وسط تقدم وتراجع لقوات المعارضة، وغطاء جوي روسي يُحتمل أن يتصاعد أكثر ويتخذ طابعًا أكثر دموية مما يعرفه السوريون في المنطقة، وخصوصًا بعد أن قالت (المعارضة المسلحة)، عبر إطلاقها معركة (الملحمة الكبرى)، إنها قادرة على التقدم في مناطق للنظام وبعض نقاط الحصار التي يطبق بها على المدينة.

 

لن تُحسم معركة حلب لمصلحة أي من الطرفين قريبًا، والأرجح أن تستمر لأسابيع وربما لأشهر، في ظروف وواقع خرجت فيه المبادرة والقدرة على الحسم والتحكم بالموارد والعتاد من أيدي السوريين منذ زمن طويل، وباتت رهنًا بقوى إقليمية ودولية متشابكة في المصالح السياسية والاقتصادية في المشرق، بانتظار لوحة سياسية دولية جديدة ترسمها الانتخابات الأميركية المقبلة وهوية من سيكون في البيت الأبيض: كلينتون أم ترامب. إلى حينها، قد يبتكر السوريون أساليب جديدة من رحم الحصار والجوع والنقص في الإمكانيات في خوض معركة وجودهم، ليست الأولى والأخيرة من بينها مبادرة إحراق الإطارات من قبل أطفال حلب في ما عرف بــ (كتيبة الدفاع الجوي).

 

سيكون من الأفضل لبوتين أن يكون دونالد ترامب هو شريكه في ترتيبات الحل في سورية، كائنًا ما كان شكل الحال ومدى إمكانية تطبيقه على الأرض، وسيكون من الأفضل للسوريين أن تطوى صفحة باراك أوباما من دون رجعة، وهو ما سيكون أمرًا مقضيًا بعد أشهر وبعد ولايتين رئاسيتين لا ثالثة لهما، طالما أن الأبد وأوهامه من مزايا بلدنا الذي يدفع ضريبة نمط الحكم السلاليّ هذا، فاتحًا الاحتمالات السورية المقبلة على مستقبلٍ أسود طويل.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق